فنجان قهوة في صنعاء
الدكتور/محمد جميح
الدكتور/محمد جميح


عندما دخلت صنعاء لأول مرة طفلاً شدني فيها الهواء البارد والأمطار الغزيرة، ولهجة أهلها. القادمون من الصحراء ينجذبون للغيوم، ويحبون المطر، ويشدهم غنج نساء المدينة، ويقفون مشدوهين أمام روعة المعمار في المدن القديمة.


جلست يوماً في مقيل الدكتور عبدالعزيز المقالح، الذي كان ينهض لمصافحتي وأنا الطالب البسيط في سنوات دراستي الجامعية الأولى، وحدثت الشعراء عن ثلاثة معالم أعجبتني في صنعاء: باب اليمن، وعبدالعزيز المقالح، وعيون الصنعانيات. كنت بدوياً أسمر الروح، يذهل لرؤية البشرة الصافية. نحن القادمين من البوادي أهل بشرة سمراء، وعندما نقف أمام البشرة الفاتحة نخال نجوم السموات تمشي على الأرض. كان بياض الصنعانيات شيئاً أشبه بما كانت الجدات تحدث به صغارهن عند النوم عن حكاية الجنيات الجميلات الخارجات من محارات البحار البعيدة. صرخت يوماً في مجلس أمام مجموعة من أصدقائي، أتوا يجادلونني في صنعاء، لأنني أكثر الحديث عنها على حساب بقية المدن في اليمن، صرخت: صنعاء أجمل مدينة على وجه الأرض.


صرخت وأنا حينها كنت لا أزال في مراحل العشق الأولى، أقف أمام جسد صنعاء، لم أتجاوز بعد إلى روح المدينة. لم أكن قد جالست أحد أصدقائي في بيته في صنعاء القديمة، لم أكن قد ذهبت إلى قبة المتوكل، والجامع الكبير والسمسرة ، ولا دخلت أسواق صنعاء القديمة، والتحمت بروح المكان، وأكلت وجباتها الشعبية في مطاعم يقعد فيها التاريخ يحتسي فنجاناً من القهوة، ويستمع إلى أغاني الآنسي والسنيدار والكبسي وجميلة سعد.


بعدها بسنوات، تجاوزت القشرة إلى لب صنعاء، واقتحمت السور التاريخي لتسبح روحي في فضاء المدينة. عشقت الروح الصنعانية، في رجالها ونسائها، وشوارعها وأزقتها، ومطاعمها الشعبية، والطريقة التي يناديني بها أهل صنعاء عندما لا ينطقون الحرف الأخير من اسم «محمد». أنشدت القصائد في «صنعاء أجمل نساء الأرض». انحزت إليها تماماً، وانقطعت لوصالها في محراب عاشقها الكبير الدكتور عبدالعزيز المقالح، الذي قال إن صنعاء «كانت امرأة هبطت في ثياب الندى ثم صارت مدينة».


كتبت في صنعاء الكثير من الشعر والنثر، وذهبت إلى مقائل أدبائها وشعرائها، وحضرت عند البردوني، وخالد الرويشان، وأحمد العواضي، وحسن الشرفي وصديق متصوف جميل يسكن صنعاء القديمة اسمه عبدالعزيز عبيد، لكني انقطعت بعدها للعبادة في زاوية «العارف» الكبير الدكتور عبدالعزيز المقالح. بعدها لم أعد أرى المدينة إلا من عيني شاعر «كتاب صنعاء».


وفي صنعاء سكنت قبل سنوات في منزل إيجار يتبع الحاج حمود المطري، رحمه الله، الذي كان يدعوني إلى مقيله. كانت زوجته تعد متطلبات المقيل، من ماء بارد وقهوة، وشيء من البخور، ثم نجلس في جو أسري حميم، كان زيدياً متديناً يحب آل البيت، ويحب الصحابة. وكان يحب البدو. كان يقول لي مازحاً: «عليَّ الحرام ما دخل الجنة بدوي واحد»، أرد عليه: ولن يدخل النار بدوي واحد. يقول: «ليش»، أقول: لأنها ستمتلئ من بني مطر (ههههه). يرد: أين تروح من قوله تعالى: «هل امتلأت، فتقول هل من مزيد»؟ يغلبني الشيخ المطري، وألجأ للصمت.


الصنعاني بسيط كريم، صاحب نكتة وحلو الروح، وكلما خرجت إلى ريف صنعاء وجدت جوهر الإنسان اليمني النقي، كما تجد هذا الجوهر في عمران وصعدة والمحويث. وتذهب إلى ذمار فيسألك السائق من أين قدمت؟ فتقول: من صنعاء. فيقول بسخريته المعهودة: «ذماري بصنعانيين». أما إذا ذهبت إلى حجة فلعلك تشاهد ملائكة السماء تمشي على الأرض.


اتحدث تحديداً عن الإنسان اليمني في محافظات بعينها، ليس لنزعة جهوية مناطقية، ولكن لأن أبناء هذه المحافظات تعرضوا لعمليات إعادة منتجة رهيبة خلال الشهور الماضية، لترسم لهم صورا بدائية بفعل اختطاف الحوثيين لهذه المحافظات، واعتمادهم على بعض أبنائها في حروبهم العبثية ضد إخوانهم اليمنيين. أتحدث عن هذه المحافظات وأتساءل، كيف استطاع الرئيس السابق علي عبدالله صالح، وزعيم المتمردين الحوثيين عبدالملك الحوثي أن يشوها صورة الحاج «حمود المطري» الزيدي النبيل، في أعين غالبية أهل اليمن، في محافظات السهل والصحراء؟ كان المرحوم حمود المطري يتحدث بعشق عن أطيب أنواع البن اليمني: المطري واليافعي، بدون تمييز، كان يصلي وراء إمام يضم، وكان يحب النبي وآله، وكان يحب صحابته وزوجاته، وفوق ذلك، كان يمهلني إذا حان وقت الإيجار وأنا في ضائقة مالية، بل كان يعرض المساعدة وقت الأزمات المالية وما كان أكثرها.


واليوم خطف علي عبدالله صالح وعبدالملك الحوثي، صديقي القديم حمود المطري مني، وجعلاه في مواجهة مفتوحة معي، ومع محيطه اليمني والعربي، وعزلاه تماماً عن العالم، ليواجه مصيره مرة أخرى، بفعل سياسات الطيش والحمق والعناد والاستكبار والحرص على السلطة والثروة، وخداع الناس باسم الله والنبي والآل والدفاع عن السيادة الوطنية التي اختصروها في الدفاع عن نفسيهما بعد تحالفهما المشؤوم ضدي وضد حمود المطري وضد صنعاء. لقد وضع صالح والحوثي أبناء المناطق التي ينتمون إليها في مواجهة خاسرة مع أبناء شعبهم، ومع أبناء أمتهم، وربما مع العالم بأسره.


قبل ليالٍ كنت أستمع إلى علي عبدالله صالح، في حوار متلفز، وقد تغير كثيراً، يحاول أن يتجلد، ولكن علامات الانكسار واضحة على وجهه، كانت لغة جسده تختلف تماماً عن لغة لسانه، وكانت تناقضاته كثيرة، وكان الملعب قد بدأ يضيق عليه، وهو يتوسل وقف إطلاق النار حيناً، ويحاول إظهار التحدي حيناً آخر. شعرت بالأسى، وأنا أرى الرئيس السابق يحمل الآخرين المسؤولية عما حدث، ويبرئ نفسه من التبعات، مع أنه تسبب مع غيره بالطبع في كل هذا الدمار. تذكرت صنعاء التي قالت مرة إنها عندما تسمع الطائرة الحربية تحوم فوقها تهرع وتغطي جسدها بكامل ملابسها، خشية أن تموت بالقصف وهي بملابس البيت، فيرى الرجال منها بعد موتها ما لا يجوز أن يروه في حياتها.


اصطكت أسناني، وأنا أرى الحاج حمود المطري يطل من قبره ماسحاً لحيته بيمناه – كعادته عندما يستنكر أمراً ما – ويقول: «الله المستعان».

في الجمعة 16 أكتوبر-تشرين الأول 2015 04:05:07 م

تجد هذا المقال في سهيل نت
http://suhail.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://suhail.net/articles.php?id=131