الثلاثاء 20 - أغسطس - 2019 : 19 - ذو الحجة - 1440 هـ
عمرو حمزاوي
طباعة المقال طباعة المقالRSS Feed مقالات
مأساة تجاهل العرب لأحوال اليمن

بقلم/ عمرو حمزاوي
نشر منذ: 4 سنوات و 4 أشهر و 28 يوماً
الأحد 22 مارس - آذار 2015 07:15 م






شىء ما غير مفهوم .. تقع جريمة إرهابية بشعة فى تونس تسقط 21 ضحية، فتتابعها بكثافة وسائل الإعلام المصرية والعربية، ويتوالى الترويج لبيانات إدانة الإرهاب والتضامن مع الشعب التونسى الصادرة عن دوائر حكومية وغير حكومية.

 

تقع مذبحة إرهابية بشعة ومروعة فى اليمن تسقط أكثر من 140 ضحية ومئات المصابين فتتجاهلها وسائل الإعلام المصرية ومعظم وسائل الإعلام العربية، ويتدنى مستوى بيانات الإدانة والتضامن الرسمية وغير الرسمية من مؤسسات الرئاسة والقصور الملكية إلى وزارات الخارجية والإعلام وتصمت نخب الحياة العامة فى بلاد العرب وكأن إنسانيتها التى تدين الإرهاب فى كل مكان تعطلت أو كأن أحوال اليمن لا تعنيها البتة.

 

شىء ما غير مفهوم .. اليمن، البلد صاحب الكثافة السكانية الأعلى فى شبه الجزيرة العربية والموقع الجغرافى بالغ الأهمية لأمن بلدان الخليج وﻷمن السودان ومصر ومن ثم لأمن العرب القومى، يزج به إلى حافة الهاوية وحكومات بلاد العرب ومجتمعاتها المدنية تمتنع عن عمل ما يكفى لمساعدة الشعب اليمنى .

 

شىء ما غير مفهوم.. فأحوال اليمن تخبر عن مأساة إنسانية يعانى منها شعب تتكالب عليه منذ عقود كوارث الاستبداد وعجز الحكم والفقر والبطالة وغياب الخدمات الأساسية واليوم «تتم» كوارث انهيار السلم الأهلى وانهيار الدولة الوطنية وتفسخ إقليمها بفعل حروب الكل ضد الكل بين قوى مذهبية وقبلية وحزبية ونخب اقتصاد وتجارة ومال وبفعل صراعات مصالحها وأدوارها حلقات المأساة وتمكن عصابات الإرهاب من التوحش والنفوذ الخارجى من التغول. أما العرب فهم على التجاهل والصمت يصرون.

 

باستثناء دور المملكة العربية السعودية التى لم تصغ إلى اليوم سياسة واضحة المرتكزات تجاه اليمن تنتصر لسلمه الأهلى وتماسك دولته وتحارب المذهبية والنعرات الانفصالية كما تحارب الإرهاب وبعيدا عن مبادرات مجلس التعاون الخليجى محدودة الفاعلية بالنظر إلى حدود استجابة أطراف الصراعات اليمنية لها.

 

وأما مصر فهى تواصل ابتعادها وتغيب سياسة فعالة لها تجاه اليمن، على الرغم من أهميته الاستراتيجية ﻷمن مصر القومى ومن مداخل النفوذ والتأثير الكثيرة التى تملكها تجاه أطراف الصراعات اليمنية.

 

شىء ما غير مفهوم .. العرب يتوجسون من تغول النفوذ الإيرانى فى اليمن ومن استحالته مساحة إضافية للهيمنة الإيرانية بعد العراق وسوريا ولبنان. وهم مع ذلك يتركون إيران تتلاعب بالخريطة المذهبية فى اليمن، وتصيغ تحالفها الاستراتيجى مع الحوثيين تسليحا وتمويلا بهدف تمكينهم من الاستئثار بحكم بعض مناطق اليمن وتفتيت بقايا مجتمعه ودولته.

 

وتدعى مواجهتها لإرهاب القاعدة وداعش والعصابات الأخرى ومذهبية السياسة الإيرانية فى اليمن تشعل الإرهاب كما تشعله فى العراق وسوريا ولبنان. العرب يتجاهلون أحوال اليمن أو يعجزون فى الخليج ومصر عن تقديم بديل للمذهبية الإيرانية ينتصر للسلم الأهلى وتماسك الدولة الوطنية ويواجه الإرهاب.

 

شىء ما غير مفهوم .. لا يرتب صمت العرب ــ صمت حكوماتهم ومجتمعاتهم المدنية ــ عن المذبحة الإرهابية البشعة والمروعة التى أسقطت ضحاياها فى مساجد اليمن الجمعة الماضية غير إعطاء إيران فرصة جديدة 1) للتلاعب بالخريطة المذهبية ولتغليبها على الهوية الوطنية والهوية العربية لليمن.

 

2) للترويج لزعم فاسد مؤداه أن العرب ينظرون إلى اليمن كساحة من ساحات الصراع بين السنة والشيعة وأن حكوماتهم ومجتمعاتهم المدنية لايمانعون فى إرهاب يتجه إلى الشيعة الزيديين وغيرهم، 3) لتقديم الجمهورية الإسلامية كالقوة الوحيدة القادرة على حماية السكان الشيعة فى اليمن والقادرة على التفاوض نيابة عنهم مع الغرب، تماما كما تفعل فى العراق وسوريا ولبنان.

 

شىء ما غير مفهوم .. هل تعطلت إنسانية العرب إلى هذا الحد، بحيث يتجاهلون قتل وإصابة مئات الزيديين فى اليمن ويتركون إيران تتلاعب بالخريطة المذهبية؟ هل تعطل العقل الاستراتيجى العربى إلى هذا الحد، بحيث يعجز عن إدراك الضرورة القصوى لإنقاذ اليمن وإنقاذ هويته الوطنية والعربية والانتصار لسلمه الأهلى وتماسك دولته فى مواجهة إرهاب يتوحش ونفوذ خارجى يتغول ويقسم ومذهبية مقيتة وعنيفة تفتت ليس للمذهبيات المضادة أن تقضى عليها؟

 

*الشروق المصرية.