آخر الاخبار

الرئيسيةكتابات عدنان العدينيضعف الاستفادة من التجارب

عدنان العديني
عدنان العديني
عدد المشاهدات : 373   
ضعف الاستفادة من التجارب

كلما وقفت عند قول الله تعالى: "فأنساهم أنفسهم"، حضرت أمامي تجربتنا السياسية في اليمن، وكأنها مثال توضيحي لمعنى الآية. فالمشكلة الأبرز فيها هي ضعف قدرتنا على الاستفادة من تجاربنا، إذ لا تتحول الأخطاء إلى خبرة تمنع تكرارها، بل نظل نعود إلى الأساليب نفسها رغم أن نتائجها معروفة. تتغير المراحل وتتكرر الأزمات وكأننا بلا ذاكرة. نكرر أنفسنا مرة بعد أخرى، مع أن الفاعلين هم أنفسهم، وأحيانًا الأشخاص أنفسهم.
خذ مثلًا الاتفاقات التي يتقدم فيها الحل السياسي قبل بناء مؤسسة عسكرية وطنية موحدة. هذا الترتيب قاد سابقًا إلى الصدام، ومع ذلك جرى تكراره. ماذا لو لم تُجرَ انتخابات 1993، ولا حوار 2014، ولا عادت الحكومة إلى عدن، إلا بعد إنشاء جيش وطني موحد، هل كانت البلاد ستصل إلى الحرب لو أُنجز هذا الأساس أولًا؟
يمكن فهم ذلك بوصفه صورة من صور نسيان النفس، حين يفقد الإنسان القدرة على التعلم من تجربته. فالعمل السياسي في ظل تعدد الجيوش يعكس فقدان القدرة على الانتقال الصحيح من مرحلة إلى أخرى، لأن الانتقال السليم يقتضي مراجعة ما حدث، وتحديد ما ينبغي الاستمرار فيه، وما يجب تركه في الماضي. وعندما يغيب هذا الوعي، يجد الإنسان نفسه يكرر ما يضره وهو يظن أنه يتحرك نحو الحل.
يشير القرآن إلى هذا المعنى في قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد، واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون، ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم". فالآية تربط بين النظر فيما مضى والاستعداد لما سيأتي، وتبين أن إهمال المراجعة يقود الإنسان إلى فقدان البصيرة بأفعاله، فيتحرك عبر الزمن دون تقييم أو تصحيح. وهذا المعنى لا يخص الفرد وحده، بل ينطبق على التجارب السياسية أيضًا، حين تعبر مراحلها دون أن تتحول خبرتها إلى أساس للمرحلة التالية.