الإثنين 09 - ديسمبر - 2019 : 12 - ربيع الثاني - 1441 هـ
محمد صلاح
طباعة المقال طباعة المقالRSS Feed مقالاتمحمد صلاحأوهام اختزال اليمن مذهبيا
اليمن والخليج والشام

بقلم/ محمد صلاح
نشر منذ: 3 سنوات و 10 أشهر و 8 أيام
السبت 30 يناير-كانون الثاني 2016 07:54 م


تشكل اليمن بموقعها المهيمن في جنوب الجزيرة العربية، واطلالتها على المحيط الهندي من عدن، وتلاصقها مع أفريقيا من جهة الصومال وتلاحمها مع قلب الجزيرة العربية الذي تشكله اليوم المملكة العربية السعودية.

فمنذ عهود التاريخ المبكرة ظلت تجارة اليمن من الناحية البرية خلال قرون طويلة مرتبطة بغرب الجزيرة العربية وشرقها عبر بلاد الحجاز، وذلك من خلال طريق البخور أشهر طرق التجارة الدولية في العالم القديم.

فالموقع الجغرافي لليمن يعد (منطقة استراتيجية تتحكم في مدخل البحر الأحمر وتدخل إلى البوابة الأمامية للسعودية والسودان وأثيوبيا والبوابة الخلفية لمصر وفلسطين المحتلة)، ولذلك كانت الامبراطورية العثمانية في القرن السادس عشر بعد احتلالها لمصر تسعى بكل اصرار للسيطرة على سواحل اليمن، بهدف تأمين الأماكن المقدسة في مكة المكرمة من جهة، ومواجهة البرتغاليين الذين كانت سفنهم وقراصنتهم تجوب سواحل البحر الأحمر والخليج من جهة ثانية، مهددة التجارة البحرية بين المحيط الهندي والبحر الأبيض.

وقد كان اسطول القائد البرتغالي البوكرك حينها يجوب البحار الشرقية، وتمكن من السيطرة على ميناء المخاء، وحاول البرتغاليون الاستيلاء على عدن ولم يظفروا، ثم استولوا على جزيرة سقطره لقطع الطريق البحري بين الهند والبحر الأحمر، لكنهم فشلوا في شل حركة التجارة في البحر الأحمر كما يقول المؤرخ حسن صالح بن شهاب لأن عدن هي بوابة البحر الأحمر وليست سقطره، فقد كان البرتغاليون (يدركون أن سيطرتهم على باب المندب تعني منع المماليك في مصر من التسلل إلى المحيط الهندي وكذلك منع عرب السواحل من التجارة مع الهند).

ومن خلال تواجد العثمانيون في سواحل اليمن استطاعوا أن يؤمنوا بلاد الحرمين في الحجاز، وطريق التجارة البحرية في المحيط الهندي والبحر الأحمر، واستشراف أعماق اسيا.

وبعد الأتراك تمكَّن البريطانيون من خلال تمركزهم في سواحل اليمن الجنوبية من مطاردة القوات البرتغالية في الخليج العربي، وفي الوقت ذاته أتاح لهم التوسع والتمدد في بقية شبه الجزيرة العربية، وتتضح أهمية دور الساحل اليمني بجلاء خلال الحربيين العالميتين.

ففي الحرب الأولى اثناءها وبعدها فإن قاعدة عدن التي كانت تحت السيطرة الانكليزية (زادت أهميتها الاستراتيجية، ولذلك عملت بريطانيا على تحويلها من قاعدة عسكرية فقط إلى جوية أيضاً زيادة في قوة فاعليتها والاحتفاظ بها للدفاع عن المدخل الجنوبي للبحر الأحمر فيما لو فكرت الدول الأوروبية في منافستها، وزادت من تحصيناتها وزودتها بأحدث الأسلحة التي ظهرت خلال الحرب، حتى أصبحت أحدث قاعدة عسكرية في المستعمرات البريطانية كلها.) , وما إن فقدوا قاعدتهم في عدن بعد الثورة اليمنية وإعلان الاستقلال في نوفمبر 1967م حتى أخلى الإنكليز كل مناطق تواجدهم في الخليج العربي.

ويمتد هذا الارتباط مغطياً أيضاً بلاد الشام، ويمكن استخلاص حقيقة ذلك من سير حركة التاريخ في الماضي البعيد والوسيط والحديث والمعاصر، فحين سعت فرنسا في عهد نابليون بونابرت لاحتلال بلاد الشام من أجل تضييق الخناق ومحاصرة الأسطول الإنكليزي في المحيط الهندي، الذي يقوم بنقل المواد الخام من الهند إلى الجزر البريطانية، بادرت الأخيرة إلى احتلال جزيرة ميون اليمنية والتمركز فيها لمواجهة أي تحرك فرنسي، وتمكنت من ردع أحلام بونابرت وطموحاته في البحار الشرقية وهذا يعزز من معنى ومغزى الموقع الذي يمثله كعمق استراتيجي هام على ساحة المشرق العربي كله، كما يقول الدكتور شهاب محسن عباس .