آخر الاخبار

الرئيسيةكتابات فيصل علياليمن بين الإسلام والسلالة

فيصل علي
فيصل علي
عدد المشاهدات : 449   
اليمن بين الإسلام والسلالة

على الرغم من كل المتغيرات المحلية والإقليمية والدولية والحروب الحاصلة في اليمن، ما زال اليمنيون يكافحون بكل قوة لأجل الحياة، أنا أتحدث هنا عن الأغلبية التي تعيش داخل وخارج اليمن، ولم تسمح لكل هذه الظروف بحرف مسيرتها الحياتية أو جرها لمربعات الضجيج وردات الفعل، هؤلاء وحدهم يعلمون أن خرافة الهاشمية السياسية وسلطة الحوثي الفاشية لا يمكن لها البقاء طويلاً، والسبب معروف "من لم يعلمه الزمن تعلمه اليمن" كل المغفلين الذين رأوا أنفسهم خير من الناس مدعيين الأفضلية في العرق واللون والنسب والجهة ذهبوا كما أتوا، وليست انتفاشة الحوثي الوحيدة في اليمن، فقد انتفشت هذه السلالة من قبل وذهبت غباراً في التاريخ، تاريخ هذا البلد لم يكن سوى يمنياً ومن أراد الهروب من هذه الحقيقة فمكانه معروف ولديه متسع ليكون جزءًا من غبار التاريخ.

جبال اليمن وسهولها ومياهها ووديانها وطرق تجارتها؛ من طريق اللبان إلى درب أسعد الكامل كلها ترفض المساس باليمن كفكرة وهوية وجغرافيا وديمغرافيا، أما تغيير اسم الدولة فلم يفرق كثيراً، وكل من قدموا من خارج اليمن لأغراض سلطوية ابتلعتهم اليمن وقامت "بيمننتهم" من أبرهة الأكسومي الذي استقل باليمن عن الحبشة و"تيمنن"، إلى الفرس الذين سرعان ما تحولوا إلى "أبناء وبني" وذابوا في المجتمع اليمني، وتلاهم المماليك والأيوبيون والرسوليون ومن تبقى من الترك، في اليمن ليس أمام القادمين سوى "التيامن والتيمنن" للقدرة على العيش والبقاء، فاليمن عرفت التعايش لأسباب كثيرة، منها توسع الدول اليمنية القديمة خارج حدود العربية السعيدة وأرض الجزيرة العربية موطن اليمنيين الأزلي، وتواجدهم في شمال الجزيرة وفي شرق أفريقيا وشمالها ووصولهم إلى آسيا الوسطى، وفيما بعد إلى الأندلس في أوروبا وإلى جنوب شرق آسيا، كما أن فرص التجارة اليمنية التي كانت عالمية ولم تقتصر على المحلية قد فرضت عليهم الاندماج الحضاري بالأمم والشعوب والعرقيات المختلفة، كما أن غزو دول أخرى لليمن بعد سقوط الدولة الحميرية عزز من "تيامن" القادمين من خارج الجغرافيا والديمغرافيا اليمنية كما أشرنا أعلاه.

وحدهم سلالة العجم القادمين مع الرسي وبعده لم يدركوا مفاهيم اليمن والتعايش فيها، لذا تاريخهم كله حروب وغزوات محلية تسترت "بالمذهب اللغم" مذهب الهادوية المسمى بالزيدية، وهو الفقاسة التي أنتجت سلاسل من فيروسات الهاشمية السياسية التي تنام وتصحو على الادعاء بأحقيتها وحدها في الحكم، مخترعة ديناً عائلياً موازياً للإسلام يشمل أهل الكساء وعترة الغدير، ومذهباً موازياً للمذاهب الإسلامية، دين البيت ومذهب آل البيت.

لقد شكلت خرافة الهاشمية السياسية تحدياً حضارياً لليمنيين منذ قدوم الرسي في 899م، حينها ظهر الحدس اليمني واستشعر اليمنيون خطورة هذا الغريب القادم من مجاهل التاريخ، فانبرى الحسن الهمداني لكتابة تاريخ آخر دولة يمنية هي دولة حمير ثم سيج اليمن بكتابه صفة جزيرة العرب، وهو مصنف حول الجغرافيا اليمنية بعد أن استكمل كتابه الإكليل حول الدولة اليمنية وديمغرافيتها، وكان هذا العمل أول مواجهة وتصدي للسلالة.

لم يشكل الإسلام الحنيف أي تحدٍ لليمنيين على الإطلاق، لذا دخلوا في دين الله أفواجاً فهم أهل التوحيد وأهل الكتب السابقة، ووحدوا الله مع سام وهود وصالح وتبع وموسى وسليمان وعيسى، ولم يكن محمداً سوى إضافة إلى تاريخ التوحيد الذي عرفته اليمن على مدار التاريخ الموغل في القدم، لذا لم يشكل الإسلام أي تحدٍ لليمنيين بل إنه أنقذ اليمن من عصر الضياع الذي حل بها بعد سقوط حمير، ولم يكن فيها سلطة، ولا دولة جامعة، الأبناء يحكمون صنعاء، وبلد مفكك نمت فيه سلطة الإقطاعيين المقاول وانتشر فيه الرق والعبودية، فكانت رسالة محمد صلى الله عليه وسلم هي المخرج لليمنيين من حالة من الضياع، جاء محمد واليمنيون يعيشون في معظم أرجاء الجزيرة العربية من الجنوب إلى الشمال تنتشر القُبل وتغطي الأرجاء من سقطرى إلى الشام، ومن باب المندب إلى الحيرة، ومن الخليج العربي إلى البحر الأحمر، ويمنية قريش متصلة بيمنية قبائل جرهم وخزاعة.

من المضحكات المرويات الإسرائيلية التي انطلت فيما بعد على القوم بأن قبيلة جرهم هي التي أوت إليها إسماعيل وعلمته اللغة وحمته وزوجته ثم صار فيما بعد أبا لها وللعرب، هكذا بقدرة قادر، وهي رواية عاطفية لا تصل إلى أي درجة من درجات الصحة، وهي امتداد لرواية تفصل بين النبي هود وولده النبي إبراهيم، هذه الإشكالية لم تظهر مع ظهور النبي التهامي محمد صلى الله عليه وسلم، بل ظهرت في أواخر الدولة الأموية -قيسية ويمنية- واختفت مع ظهور الدولة العباسية، وعاودت للظهور في منتصف الدولة العباسية، وهي ككل الخرافات التي اخترعها النسابة، وهناك اليوم من يؤصل لها لفصل الجزيرة جنوبها عن شمالها، ولفصل التوحيد عن اليمن وهي مجرد ادعاءات لا تصمد أمام الحقائق التاريخية كتلك الرواية التي تقول أن العماليق أتوا من شمال الجزيرة واستوطنوا الجوف وشكلوا دولة معين، وهي رواية فندها أهل التخصص عن طريق الروايات التاريخية نفسها، وعن طريق النقوش، وعن طريق المسوحات العلمية للآثار. وهناك في التاريخ المعاصر من عزز هذه الخرافة لادعاءات تخص الأقليات غير المسلمة في الشمال العربي، والتي حاولوا سلخها عن تاريخها العربي، وربطها بأمم أوروبا، كما أن ظهور القومية العربية في الشمال أوجد نوع من الأنفة من الانتساب للجنوب، وتركت قضية العروبة معلقة، فهل العرب أصلهم من الشمال أم من الجنوب؟ لكن هناك إجماع على يمنية كل العرب، ولا ينكر ذلك سوى بعض المتعصبين هنا وهناك.

يحاول البعض أن يستثمر حروب الردة وينسب الإساءات للدولة الإسلامية التي نشأت في المدينة في عهد الخليفة أبو بكر الصديق، الذي أخمد الفتنة كأي قائد لدولة ناشئة، صانعين من تاريخ الأسود العنسي "عبهلة" فكرة بائسة تصوره أنه ضد الفرس وضد المسلمين القادمين كمبعوثين من عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستغرب ممن يستدل برسالته إلى مبعوث رسول الله معاذ بن جبل الأنصاري المنتسب إلى بني أدّى وبني جشم بن الخزرج بن التبع اليماني، ويصفه فيها بـ"المتوردون علينا"، هل كان عبهلة بهذا الغباء ولا يعرف يمنية معاذ أو أنه كان ينكرها؟ أشك في هذا الأمر وأرى أنه يحتاج إلى بحث.

هل كان "قائد الانتفاضة اليمنية" ضد أبي بكر والفرس الأبناء أحرص على اليمن من أبي بكر ولديه إستراتيجية لتحرير الأراضي العربية من الفرس والروم؟ هذه مقولة لا تصح حتى أن تكون فرضية، فالتاريخ يقول إن أبي بكر الصديق قال "إنما العرب لأب واحد وأم واحدة فأردتُ أن استفزهم" واستفزَهم وجمعهم وهيأهم في عهده لتحرير أرض العربية السعيدة من الفرس والروم، وتم الأمر في عهد عمر ابن الخطاب رضي الله عنهما معاً، كانت إستراتيجية أبي بكر عظيمة، إذ هيأ العرب قاطبة والفرس المسلمين في اليمن لإسقاط الدولة الفارسية المسيطرة على العراق العربي، وكانت قد سقطت سيطرتها على اليمن بسبب معروف للجميع هو إسلام والي الفرس على اليمن في عهد رسول الله محمد. انتفاضة عبهلة العنسي تشبه انتفاضة صاحبه في 2 ديسمبر 2017م وهما من الانتفاضات التي تعجب البعض، وهذا حقهم بكل تأكيد، لكنها ليست بالشيء المهم وليست انتفاضات حقيقية في نظر الكل، وهي من المسكوت عنه في منهجية التاريخ.

لا ينبغي اليوم مجاراة جماعة متخلفة ومارقة مثل جماعة الحوثي، ولا تمكينها من جر بعض الأوساط النخبوية إلى مربعاتها الطائفية والعرقية والعصبوية، خاصة في ظل تنامي الوعي الوطني، الوعي المتصل بالهوية السياسية لليمنيين جميعاً -الجمهورية اليمنية- وبأسس المواطنة التي سبق اليمنيون بها العالم أجمع، فالديمقراطية التي عرفتها روما كانت في الأساس موجودة في حضارة ودولة سبأ من قبل روما، كما أن اليمن عرفت الوحدة والفيدرالية كنظام حكم مركب في العهد السبئي، فلا تجعلنا خرافة الهاشمية السياسة نعود بدائيين مثلها في المنطق والممارسة. ولذا يخوض شعبنا اليوم معركته مع الكهنوت السلالي لفرض الدولة وشروط الدولة، لا لفرض القبيلة والعرقية وشروطها، يمثل شبابنا في الجبهات الدولة اليمنية، ولا يمثلون مذاهب ولا قبائل، بل هم جنود الجمهورية اليمنية ويضحون بأرواحهم لأجلها، فلا يجب أن نخذلهم بنشر المقولات الواهية التي لا تثبت أمام المنطق والفكر ولا أمام حقائق التاريخ.

عندما كنا نتحدث منذ سنوات عن الهاشمية السياسية اختصرنا كل هذه المسافات الشاقة في محاولات فرز المجتمع إلى فئات وطبقات وعرقيات، فمجتمعنا المتنوع هو سر هذا الصمود اليمني الأزلي في كل مراحل التاريخ. وكنا وما زلنا نؤكد على أن اليمن دولة وليست جد أحد، وليس لدينا اليوم ترف ولا وقت ولا جهد لخوض المعارك الكلامية والوهمية والجانبية؛ فنحن مثقلون بهمومنا الكلية والجزئية والفردية. كما أن هذه الحرب التي فرضت علينا من الداخل والخارج يجب أن تزيد من تكاتف وتلاحم مجتمعنا وشعبنا لا أن تزيدنا فرقة وانقسام.

هويتنا السياسية واضحة "الجمهورية اليمنية" وهويتنا التاريخية والحضارية والإنسانية لا تخفى على أحد. لذا لابد من تقريب وجهات النظر، والتركيز على مشكلاتنا والتي تأتي على رأسها مشكلة الهاشمية السياسية، وما نتج عنها من تشوهات مجتمعية، كما أن التدخلات الأجنبية لا يجب إغفالها أو التساهل معها، فهي تمثل أخطاراً وجودية، وما هي إلا مقدمات لقوى الاحتلال التي لم تغب اليمن عن ناظرها، وهي من تستعمل هذه القوى الغوغائية لتكون طليعة ومقدمات لها لا أكثر.

لا يجب تخوين أي قوى يمنية ولا تهوين أي نضال لليمنيين، علينا قبول التنوع وعدم احتكار الوطن والوطنية وعدم الإسهاب في الأحلام الرومانسية والتماهي مع المقولات الواهية التي تفرقنا ولا تخدم وحدة الهدف والجهد وتسيء لتنوع الصف اليمني الواحد. علينا محاصرة عدونا والتركيز عليه لا محاصرة أنفسنا وفرز مجتمعنا وتشتيت جهود شعبنا ونضالاته.