آخر الاخبار

الرئيسيةكتابات بندر الشرعبيمستقبل العلاقات الدولية بعد كورونا

بندر الشرعبي
بندر الشرعبي
عدد المشاهدات : 471   
مستقبل العلاقات الدولية بعد كورونا

الأحداث المتوالية والتحولات الجوهرية العظمى التي مر بها النظام العالمي من بعد معاهدة وستفاليا عام 1648م مرورا بالقوة الصناعية والحربين العالميتين وما أعقبها من حرب باردة، ثم احداث 11 سبتمبر، وظهور ما يسمى بالحرب العالمية على الإرهاب، على اثر كل هذه الاحداث تغير فيها شكل النظام الدولي وتأسس نظام "توازن قوى" جديد، وخُلق نمط جديد من العلاقات الدولية، اخذ اشكالا مختلفة ما بين الثنائية القطبية إلى الاحادية القطبية.

فهل نحن اليوم امام نقطة تحول عالمي وتعددية قطبية أو قطبية مختلطة بحسب ما يرى الكثيرون؟

ما يشهده العالم اليوم من أحداث وتطورات بسبب تداعيات تفشي فيروس كورونا وكذا الاحداث التي تشهدها الولايات المتحدة الأمريكية حاليا من غضب شعبي واحتجاجات بسبب مقتل المواطن الأمريكي "جورج فلويد" بدوافع عنصرية من قبل الشرطة الأمريكية، يجعلها تشهد موجة من الانهيار وربما التحول الهيكيلي للنظام الدولي، خاصة في ظل سياسات الرئيس ترامب وقيادته للولايات المتحدة، اضافة إلى وجود دعوات لحل النظام الليبرالي الاحادي الذي تقوده الولايات المتحدة واستبداله بنظام متعدد الاقطاب، وكذلك التوترات التي تشهدها العلاقات العابرة للحدود والاتحاد الاوروبي.

هناك سلسلة من الاسئلة التي ترد في اذهان كثير من المحللين والباحثين.

هل الاضطرابات والعجز والارتباك التي ظهرت عليها الولايات المتحدة الأمريكية تحت قيادة الرئيس ترامب في مواجهة تفشي فيروس كورونا تعتبر مؤشراً واضحاً على تراجع دور الولايات المتحدة الأمريكية القيادي للعالم؟

كثير من المحللين والمهتمين بالشأن الدولي والمختصين في العلاقات الدولية يرون أن ازمة تفشي فيروس كورونا المستجد كشف إلى حدٍ كبير فشل الولايات المتحدة الأمريكية في التعاطي والسيطرة على انتشار الوباء مما دفعهم للتساؤل حول دور امريكا الريادي في العالم بعد انحسار الفيروس وكذا مستقبل العلاقات الدولية في ظل تخبط سياسات الرئيس ترامب وتراجع قوة الهيمنة الأمريكية ذات القطب الواحد.

حيث نشرت صحيفة التايمز البريطانية مقالا للكاتب دانيال فينكلشتاين، بعنوان "هل نشهد نهاية الحقبة الأمريكية"؟

حيث أشار في مقالته إلى ان الفيروس لا يفرق بين صغير ولا كبير ولا بين دولة عظمى وأخرى ليست كذلك، فالجميع امام اختبار صعب كما هو على وجه التحديد اختبار شديد الوطأة على زعيم العالم "الولايات المتحدة الأمريكية" أمام هذا الوباء المنتشر كالنار في الهشيم.

من الواضح أن السياسات المضطربة للولايات المتحدة تحت قيادة الرئيس ترامب تثبت للعالم أن مسألة قيادة الولايات المتحدة الأمريكية للعالم أصبحت موضع شك -وخاصة بعد ظهور فاعل جديد كالصين وروسيا على الساحة الدولية سريع النمو والتوسع، حيث أن الصين ودول شرق آسيا تبحث عن موضع قدم في النظام العالمي الجديد في ظل التزاحم الدولي، خاصة بعد نجاحها إلى حدٍ ما بالتغلب والسيطرة على تفشي فيروس كورونا المستجد- الامر الذي سجل انتصاراً سياسياً وإعلامياً على الولايات المتحدة الأمريكية.

كما يلوح بالأفق تشكل نظام دولي جديد يعرف بالنظام الانساني متعدد الاقطاب -او ربما ذات اقطاب مختلطة- بدلا عن نظام احادي القطبية.

الدكتور ستيفان والت استاذ العلاقات الدولية في جامعة هارفارد، كتب لمجلة فورن بوليسي الأمريكية، حيث قال إن العالم سيشهد تحول نوعي لمركز النفوذ والقوة من الغرب إلى الشرق وخاصة الصين وسنغافورة وكوريا الجنوبية بسبب ما حققته من انتصار يستحق الذكر على تفشي وباء كورونا.

السؤال الاكثر الحاحاً، هل فعلا ما سنشهده في الايام المقبلة هو تغير فعلي في هيكل النظام العالمي الحالي وتحوله من أحادي القطبية إلى نظام ثنائي القطبية او متعدد القطبية وانتهاء الهيمنة الأمريكية على العالم وانتقال مركز النفوذ من الغرب إلى الشرق وذلك من خلال صعود الفاعل الجديد كقوة منافسة للقوة الأمريكية؟

بحسب ما تشير الارقام إلى أن اقتصاد الصين ينمو بسرعة مضطردة، حيث ازداد من 2% عام 1980م إلى 18% عام 2016م، كما يواصل النمو بشكل يبعث القلق لدى أمريكا، حيث من المرجح أن يصل إلى 30% عام 2040م.

هذا النمو الاقتصادي السريع قد يجعل من الصين فاعل قوي على الساحة الدولية ومنافس شرس سياسي واقتصادي وعسكري للولايات المتحدة الأمريكية.

وفي المقابل يرى الكثيرون من المهتمين بالعلاقات الدولية والشأن الدولي بصعوبة التنبؤ بمثل هكذا تحول، كون الامر يحتاج النظر إلى ابعاد اخرى غير القوة الاقتصادية التي تتمتع بها الصين كفاعل قوي في النظام الدولي، حيث من الضروري للفاعل الجديد - على اقل تقدير- ان يكون متفوقا على القوة المهيمنة الحالية في عدة جوانب سياسية واقتصادية وعسكرية.

كما ان الاحداث التاريخية تشير إلى انه ليس بالامر السهل انتقال وتحول القوى من معسكر إلى اخر، واذا ما نظرنا إلى الاحداث المتكررة في التاريخ الحديث والمعاصر والتي جعلت الكثير يعتقد بنهاية الحقبة الأمريكية، على سبيل المثال – في عام 1958م عندما اطلق الاتحاد السوفيتي القمر الاصطناعي الأول سبوتنيك – كان الاعتقاد القائم بان "هذه نهاية أمريكا". وفي سبعينيات القرن الحالي مع أزمة حظر الدول العربية للنفط وإنهاء ارتباط الدولار بالذهب، كان الجميع يعتقد بأن هذا هو نهاية الهيمنة الأمريكية، لكن ما حصل كان على النقيض.

كما ان تحليل وضع القوة المهيمنة في فترة زمنية معينة وخلال الازمة العالمية والأحداث التي تعصف بها حاليا يعتبر معيار غير دقيق.

في حين ان تدهور القوى المهيمنة عادة ما يكون نتيجة حصول تغييرات جذرية في توزيع القوة بين الفواعل الدولية والذي عادة ما يأخذ فترات زمنية طويلة ليتشكل نظام عالمي جديد، وفي النادر ما تسقط القوى العظمى فجأة وهي واقفة.

كما يرى جوزيف ناي في كتابه "نهاية القرن الامريكي"، ان الناتج القومي والعامل الاقتصادي ليس كافٍ لقيادة العالم لتكون الدولة هي المهيمنة على العالم، فهما بلغ الناتج القومي للدولة الا انها تكون فقيرة في تحويل هذه القوة إلى قوة سياسة عسكرية على الساحة الدولية.

مستشهداً بما حدث مع الولايات المتحدة الأمريكية في ثلاثينيات القرن الماضي، عندما امتلكت قدرات اقتصادية هائلة الا انها اتبعت سياسة العزلة.

وكما اشار إلى أن التاريخ ليس علاقة خطية - هناك غالباً منعطفات وتحولات وأحداث على طول الطريق- واذا ما تخطى الاقتصاد الصيني الاقتصاد الامريكي الا ان هذا التفوق سيكون في حجم الاقتصاد الكلي، وليس في معدل الدخل للفرد، أي أن هناك فرق بين معدل الدخل القومي ومعدل دخل الفرد. فمعدل الدخل للفرد هو المؤشر الأفضل والمعيار الدقيق من بين بقية المؤشرات المعقدة لأي اقتصاد في العالم.

مما يجعلنا نتساءل هل التداعيات الذي ستحدثها جائحة كورونا في النظام العالمي سيؤدي حتما إلى تحول وانتقال القوة من المعسكر الغربي إلى المعسكر الشرقي، أم انها قضية سابقة لأوانها، كون الحديث عنها يحتاج إلى دراسة عميقة ذات ابعاد جيوسياسة، باعتبار ان الولايات المتحدة الأمريكية لديها من المقومات والقدرات والامكانات ما يجعلها تستمر كقوة مهيمنة، أم ان هذا التحول سيجعل الدول تعمل وبشكل سريع على تغيير اولوياتها على عكس سياسة الماضي الذي تم فيه التركيز على القوة العسكرية والاقتصادية وإغفال القضايا الاخرى كالصحة والتعليم ومراكز الابحاث العلمية والبيولوجية والاهتمام بزيادة الناتج القومي، وخاصة بعد ان دمر فيروس كورونا المستجد اقتصاديات كبرى الدول وانتصر على الجيوش العظمى وشل حركة العالم، ولم تستطع الدول الكبرى مواجهته بشكل فعِال.

هل هذا التحول سيعيد الدول إلى التفكير بزيادة الناتج القومي والاهتمام على وجه الخصوص بالجانب الصحي وانتاج الاجهزة الطبية والمواد الغذائية والعمل على الاكتفاء الذاتي؟

وكذا التفكير في بعض السياسات النيوليبرالية التي جعلت القطاع الصحي بيد القطاع الخاص بدلاً عن القطاع العام، كون الدول التي تمكنت من مواجهة تفشي فيروس كورونا - ليست مصنفة ضمن الدول العظمى - وانما تمتلك نظام صحي قوي ولديها القدرة على استخدام التقنية الحديثة، الامر الذي مكنها من الانتصار على تداعيات الازمة الحالية.

وهذا ما يدفع تلك الدول إلى إحياء الهوية الوطنية الاصلية والاعتماد على ذاتها في رسم سياسات صحية فعالة وعمل موازنة خاصة للابحاث العلمية وتأهيل كوادرها للتعامل مع الازمات.

إن ما احدثه الفيروس من تداعيات ادى إلى انعكاسات سلبية على العلاقات الدولية وخصوصا بين امريكا والصين – ليشمل لاحقا عدة دول ومنظمات ووكالات دولية- منظمة الصحة العالمية أنموذجاً.

ابرز هذه المواقف والانعكاسات ما اطلقه الرئيس الامريكي ترامب ووزير خارجيته "بومبيو" على تسمية الفيروس بالفيروس الصيني، اشارة منهما إلى اتهام الصين بالمتسبب في هذه الجائحة والقاء اللوم عليها وتحميلها عواقب تلك التداعيات.

بصرف النظر عن فيروس كورونا، أكان مصنعاً في مختبرات p4 في ووهان الصينية كما يدعي الرئيس الأمريكي ترامب، او في مختبرات "ميريلاند" العسكرية الأمريكية كما يدعي الصينيون والروس، أكان وباء من صنع الطبيعة أو ناتج خطاء بشري في احدى المختبرات البيولوجية، فإن نتائجه وتداعياته الكارثية افقدت الدول العظمى – قبل غيرها – القدرة على مواجهته والانتصار عليه.

بل أظهر صورة مرعبة وحقيقة مزعجة لضعف الانظمة الصحية لدى الدول المتقدمة والتي تحتل مراتب عليا في المجال العلمي والتطور التكنولوجي، إلا انها فشلت وفقدت السيطرة في مواجهة تفشي فيروس كورنا المستجد، وسرعان ما انهارت اقتصاديات الدول وكذا الجيوش العظمى امام انتشار هذا الفيروس.

كما عكست هذه الازمة البيولوجية صورة سيئة وغير متوقعة للتعاون المتبادل بين الدول – وخاصة تلك الدول التي تربطهم تحالفات ومنظمات، كالاتحاد الاوروبي والمنظومة الغربية الليبرالية، اذ ظهرت الانانية وتخلى الحلفاء عن بعضهم وانطوى الاصدقاء على ذواتهم وحول مصالحهم - وتركت الشعوب تلاقي مصيرها لوحدها في معركة غير متكافئة مع فيروس كورونا، حيث تخلت الولايات المتحدة عن شركائها وحلفائها واصدقائها واتخذت سياسة اشبه بسياسة العزلة - كما يرى بعض المحليلين - التي انتهجها الرئيس الامريكي جيمس مونرو عام 1823م، الامر الذي سبب لها حرجا شديدا امام حلفائها وامام العالم بسبب العجز في مواجه الازمة مما جعلها تلقي باللوم والاتهامات على الصين تارة، وتارة أخرى على منظمة الصحة العالمية وكذا تخليها عن دعمها لاحقاً.

وبحسب تقديري ان المنتصر على هذه الجائحة -على الارجح- هو من سيكتب التاريخ ومن سيتزعم العالم وسيرسم ملامح النظام العالمي الجديد، وهو من سيضع النموذج الجديد للعلاقات الدولية.