آخر الاخبار

الرئيسيةكتابات علي عشالالتجارب السياسية التاريخية

علي عشال
علي عشال
عدد المشاهدات : 1,065   
التجارب السياسية التاريخية

إن من أخطر ما يمكن أن يُبتلى به الوعي الجمعي للنخب المثقفة أن يتحول التاريخ من مدرسة للعبرة إلى ساحة للخصومة، ومن سجلٍّ للتجارب الإنسانية إلى وقود لصراعات الحاضر. فالأمم لا تنهض حين تسكن الماضي، وإنما حين تستخرج منه الحكمة التي تعينها على بناء حاضر أكثر رشدًا وعدلًا.
لقد شهد التاريخ الإسلامي، كغيره من تواريخ الأمم، لحظات عظيمة من البناء والعطاء، كما شهد صراعات واضطرابات سياسية وفكرية تركت آثارًا عميقة في مسيرة المسلمين. غير أن المشكلة ليست في دراسة تلك الأحداث؛ فالتاريخ لا يُهمل ولا يُطمس، وإنما المشكلة في طريقة استحضاره: هل نستحضره بحثًا عن الدروس، أم بحثًا عن الانتصار لاجتهادات بشرية مضت وانتهت؟
إن القاعدة القرآنية الواضحة: "تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تُسألون عما كانوا يعملون"، ترسم منهجًا دقيقًا في التعامل مع الماضي؛ فلكل جيل مسؤوليته، ولكل زمان أسئلته وتحدياته. السابقون عاشوا اجتهاداتهم في ظروفهم، وأصابوا وأخطأوا، ونحن مسؤولون عن اجتهاداتنا في واقعنا الذي نعيش فيه. فلا يصح أن نحمل أنفسنا معارك لم نخضها، ولا أن نجعل خلافات القرون الأولى معيارًا دائمًا لتعريف الولاء والخصومة في حاضرنا.
إن التجربة السياسية في التاريخ الإسلامي ـ مع ما فيها من صفحات مشرقة ـ لم تكن تجربة معصومة؛ لأنها تجربة بشرية خضعت لعوامل الإنسان: المعرفة المحدودة، والظروف السياسية، والمصالح، والمطامع، واختلاف التقديرات. والسياسة بطبيعتها مجال تتداخل فيه القيم والمصالح، ولا يمكن التعامل معها وكأنها امتداد مباشر للكمال الديني أو صورة مطلقة عن المبادئ.
وعليه، فإن تحويل التجارب السياسية التاريخية إلى نماذج مقدسة أو أحكام نهائية قد يؤدي إلى إشكال كبير؛ إذ يجعل الإنسان أسيرًا لاجتهادات أشخاص وأجيال مضت، بدل أن يكون وفيًّا للمقاصد الكبرى التي جاء بها الدين من عدل ورحمة ووحدة وإصلاح.
أما الحديث عن الفتنة الأولى في صدر الإسلام وما تلاها، فهو حديث يحتاج إلى علم وإنصاف وهدوء؛ لأن تلك المرحلة كانت لحظة تاريخية معقدة، اجتمعت فيها عوامل سياسية واجتماعية وقبلية وإنسانية. والخطر أن تتحول قراءة تلك الأحداث من محاولة لفهم التاريخ إلى تأسيس لهويات صدامية ومشاريع سياسية تكرس دورات العنف وتستمر عبر الزمن.
إن كثيرًا من الانقسامات التي عرفها المسلمون لم تكن نتيجة مجرد اختلاف في التفاصيل، بل نتيجة تراكم قراءات وتأويلات جعلت من أحداث الماضي عناوين للصراع في الحاضر. وهنا يصبح استحضار الفتنة لا بحثًا عن الحقيقة، بل إعادة إنتاج لها بأدوات جديدة.
إن الوفاء للدين لا يكون بإحياء الخصومات القديمة، بل بإحياء القيم التي جاء بها الدين. والإسلام لم يأتِ ليعطي امتيازًا لسلالة، ولا لاصطفاء أحد على أحد، كما أنه لم يجعل معيار التفاضل إلا التقوى والعدل والعمل الصالح. والواجب على المسلمين اليوم أن يقرأوا تاريخهم بوعي الباحث لا بحماسة المتخاصم، وأن ينظروا إلى أخطاء السابقين باعتبارها دروسًا إنسانية، لا رايات تُرفع لاستمرار الانقسام.
فالتاريخ ذاكرة، لكنه ليس سجنًا نقبع فيه. والماضي معلّم، لكنه ليس قائدًا للحاضر. ومن الحكمة أن نأخذ من تجارب من سبقونا ما يصلح طريقنا، لا أن نحمل معهم أثقال معارك انتهت، ثم نجعلها سببًا لمعـارك جديدة بين أبناء أمة واحدة.