الإثنين 09 - ديسمبر - 2019 : 12 - ربيع الثاني - 1441 هـ
عبدالمؤمن ميسري
طباعة المقال طباعة المقالRSS Feed مقالات
التعليم .. ومحرقة المحاصصة الحزبية

بقلم/ عبدالمؤمن ميسري
نشر منذ: شهر و 8 أيام
الخميس 31 أكتوبر-تشرين الأول 2019 07:33 م

كان تحزيب التعليم واحدا من أهم أسباب ثورة الشباب السلمية في 2011 ذلك أن الحزب الحاكم يومها مارس عملية الإحلال الحزبي في مجال التعليم بشكل طاغ مستبعدا في سبيل فرض هيمنته على مختلف مفاصل العملية التعليمية كل الكفاءات المؤهلة حتى تحولت المرافق التعليمية نتيجة لهذا التجريف الحزبي إلى ثكنات حزبية تتبع الحزب الحاكم بل وكأنها مقرات حزبية له مهمتها تأطير العاملين في السلك التعليمي بما في ذلك المعاهد العليا والجامعات وتدجين الطلاب، وتحويل الجميع إلى أرقام صحيحة يستفيد منها الحزب الحاكم في معاركه الانتخابية المقبلة، خاصة بعد أن كشفت الأخيرة منها بنتائجها الحقيقية المخفية والمصادرة عن تراجع موحش ومقلق في شعبية هذا الحزب نتيجة للسياسات الخاطئة التي انتهجها في مختلف المجالات.

ولأن هذا التفخيخ المتعمد للتعليم كان سببا للثورة؛ فقد كان إصلاح التعليم والنأي به عن الصراع السياسي واحدا من أهم الأهداف التي أعلنت عنها هذه الثورة، وأكدت عليها غير مرة إيمانا منها بأن تحزيب التعليم يعني تخريبه وبأن تجويده وتنقية ساحاته من مختلف الحشرات والحشائش الضارة هو بوابة الدخول إلى المدينة الفاضلة مدينة الحضارة والتقدم العلمي والتكنولوجي.

ولأن الشرعية يفترض بها أن تكون قد حفظت أهداف هذه الثورة العظيمة، وتسعى ما أمكنها في تحقيقها واقعا على الأرض؛ فقد كان يفترض تبعا لهذا المبدأ أن نرى انتشالا للعملية التعليمية من واقعها البائس في المناطق الواقعة تحت سيطرتها كخطوة أولى في الإصلاح العام باعتبار إصلاح التعليم هي الخطوة الأولى في أي إصلاح سياسي، وأول خطوة كان ينبغي اتخاذها في إصلاح التعليم النأي به عن الجدل السياسي والصراع الحزبي. بل وتجريم تحزيب التعليم واعتباره خيانة وطنية.

غير أن شيئا من ذلك لم يحصل ولن يحصل مادامت عقلية المراضاة السياسية هي البوصلة التي تحكم مسارات التعيينات الإدارية بما في ذلك تعيينات القيادات التربوية، فقد تحولت هذه التعيينات من ضرورات تقتضيها المصلحة العامة إلى هبات سياسية، تعلي من شأن الحزبي على ماهو ضروري ومنطقي وموضوعي، مكرسة بذلك حالة التشرذم السياسي داخل الحقل التعليمي، وبالتالي فلا عجب أن نرى المدارس في هذه المناطق ساحات محتدمة بالصراع الحزبي والتجاذبات السياسية، ولا شك أن النتيجة الحتمية لهذا التوهان هو الإعلان عن وفاة التعليم الذي يعيش الآن موتا سريريا غير معلن.

فهل يعي القائمون على الأمر وكذا الأحزاب السياسية خطورة أن تبقى الساحة التعليمية مزادا سياسيا مفتوحا تتلقفه رياح التناقضات والاختلاف؟ أم أن تسميم التعليم وإفساده مهمة يتولى إدارتها الأنظمة المتعاقبة كيفما اختلفت مسمياتها وسط مباركة من الأحزاب إيمانا من الجميع بأن جهلا ينفع أولى من علم يضر؟