آخر الاخبار

الرئيسيةكتابات يحيى الجبيحيرسالة إلى سجين..

يحيى الجبيحي
يحيى الجبيحي
عدد المشاهدات : 286   
رسالة إلى سجين..

إلى زميل الزنزانة العزيز حمزة.. رعاك الله ورفاقك..

هذا هو رمضان الرابع الذي تصومه وأنت في زنزانتك؟!
أعرف جيدا أنك لا زلت بنفس السجن الذي جمعنا وشقيقك (ذي يزن).
لكنني لا أعرف هل لا زلت بنفس الزنزانة التي جمعتنا معا؟! مع زملاء أعزاء.. بعضهم خرجوا أو أخرجوا بتوفيق الله ثم بشراكة بعض قبائلهم بمعاناة (وطنهم)؟! وبعضهم لا يزال يتجرع نفس مرارتك إما بنفس زنزانتك أو بزنازين وسجون أخرى. والقاسم المشترك بينكم هي معاناة ومآسي موحده!! ونحن في أول شهر رمضان المبارك.. أسالك.. هل قد بدأوا بتوزيع قراطيس التمر عليكم؟ وهل تتذكر حينما وزعوا لنا ففوجئت بانتهاء صلاحية نصيبنا وهو ما تكرر بكل قراطيس زملائنا والتي تحمل نفس التاريخ والمنشأ؟!
فذهبنا إلى زاوية عزيزنا (جمال المعمري) لاستشارته، فاستغرب من استشارتي قائلا.. خذ تمرك يا جبيحي وكله وتوكل على ربك! مضيفا.. إياك أن تتذمر أو تفتح هذا الموضوع مع أحد زوار الزنزانة من مشرفي السجن؟
ثم.. هل سيأتون لكم عند السحور بلبن؟ يا الهي.. لازلت أتذكر ذلك الذي كانوا يأتون لنا به ويطلقون عليه (لبن) بينما كنا نشربه في سحورنا مرغمين دون أن نعرف كنهه ولا ماهيته!!
اعذرنا عزيزي حمزة.. فقد فارقتك كما تعرف عند البوابة الداخلية للسجن ظهر يوم الأحد 24 سبتمبر 2017م بعد أن أكدوا وتعهدوا أنك ستخرج بعد 24 ساعة من خروجي، وأن سبب تأخيرك إنما يرجع إلى إجراءات تختلف عن إجراءات خروجي، ورغم عدم تصديقك وفرحتك بخروجي دون خروجك.. إلا أنني مع ذلك صدقت ما قالوا.. ظنا مني أن من وعدوا وتعهدوا حسبتهم رجالا! فها هي الـ 24 ساعة تصبح قرابة ثلاث سنوات مضافا إليها سنة وشهرين قبلها.. مع أنني كنت أتوقع وجود من استعنت بهم بعد خروجي لأجل خروجك قادرون على إخراجك.. لكنهم ظهروا غثاء كغثاء السيل!
وهكذا ظللت منذ فراقك وحتى اليوم مسجونا تباعا لسجنك! وهذا هو هدف السجانيين لك! وحينما أتواصل مع ابنتك حفيدتي (بيان) التي فارقتها وهي في سنتها الثانية.. تسألني بإلحاح متى سيخرج (بابا؟) فأحاول أتهرب من الرد.. وإشغالها بتساؤلات تخصها.. لكنها تكرر السؤال.. وأكرر التهرب!! وما ذلك إلا لأنني لا أعرف ولا أرغب أقول لها لا أعرف!
قلت لك أنني ظللت ولازلت مسجونا تباعا لسجنك.. لكن والدك لم يعد وحده مسجونا اليوم وإن تضاعف سجنه! فلقد بات الملايين من البشر في سجون منازلهم وذواتهم! هل سمعت وأنت داخل زنزانتك بفيروس (كورونا)؟! ربما سمعت عنه بدليل عدم السماح لزيارتك كالمعتاد بسببه والاكتفاء بتواصلك التليفوني مع أسرتك.. وهي لعمري بادرة يستحق عليها ساجنوك كل شكر وعرفان!!
وإذا لابد أن تكون قد سمعت عن (كورونا) هذا.. ولكن هل عرفت بعضا من مآثره؟
لقد أغلق العالم ولا يزال حريصا على إعادة (القرية الكونية) إلى القرون الوسطى! مستمرا في غموضه ونشره للرعب والهلع بين بني البشر إلى درجة أن ثلثي من فارقوا الحياة كان السبب بعد قضاء الله وقدره هو الخوف قبل أن يكون هو السبب..
(وما الخوف إلا ما تخوفه الفتى
ولا الأمن إلا ماراه الفتى أمنا).
وكم كان والدك حريصا على صيام هذا الشهر الكريم بمسقط رأسه، لكن ذلك بات من الصعوبة بمكان بسبب إلغاء الأسفار بين معظم الأقطار، وربما.. ربما من بعض حسنات (كورونا) أن كنا نحسبها كذلك.. هي كشفه لبعض المستور.. لتظهر بعض الدول (العظمى) كما كنا نظنها كذلك قبله.. مجرد فقاقيع صابون إن صح التعبير.. وحسنة أخرى.. هي إظهار حرص بعض الدول على مواطنيها بصورة يعجز الوصف عن وصفها.. بقدر عدم حرص دول أخرى!
وحسنة ثالثة.. وهي أن (كورونا) ظهر عادلا في ضحاياه، فهو ساوى بين الغني والفقير وبين الرئيس والمرؤوس وبين الحاكم والمحكوم وبين العالم والجاهل وبين الساكن في العراء والخيام وبين ساكني القصور والبروج المشيدة، بل ربما مبالغته بالعدل أن رحم بعض الضعفاء ومنهم معظم أبناء وطنك.. على أمل أن تظل هذه الرحمة مستمرة وحتى زواله بقدرة الله..
هذا هو جوهر (كورونا) وهذه هي بعض مآثره.. وربما سجنك ببعض جوانبه أهون؟! أتدري لماذا؟ لأنك ورفاقك ستصلون (التروايح) بنفس الزنزانة كما كنا نصلي معا وتجتمعون مع بعضكم كالمعتاد.. وهو ما بات شبه محظور في ظل عالم (كورونا) اليوم!
بالمناسبة.. هل تتذكر حينما اصطحبتك معي إلى (القاهرة) ولم يتجاوز عمرك العاشرة.. وكيف تفاجأت حينها بكل من وما فيها؟ ومن ذلك أن نهارها كليلها وليلها كنهارها.. ماذا لو قلت لك أنها بسبب (كورونا) لم تعد كذلك وهو ما ينطبق على (لندن) التي زرناها معا عام (2008م) وعلى غيرها من الأقطار والمدن.. شرقا وغربا.. شمالا وجنوبا..
ولكن رغم كل ما سبق وصفه.. إلا أن سجن أو سجون (كورونا) ليست كسجنك فرغم مصائبه ومصاعبه ومحنة (المؤقتة) كما نأمل.. والتي عمت ولم تخص ألا أن سجونه تظل أفضل من سجنك، فلا وجه للمقارنة! رغم أن بعض الخشية من (كورونا) ليست سجونه بقدر ما هي الخوف من الإصابة به دون علم مسبق!

رغم أن نسبة الموت بسببه لا تتعدى 1% بينما نسبة الموت بغيره تتعدى هذه النسبة بكثير!
اجل.. معاناة سجنك لا تقارن بغيرها.. إلى درجة أن بعضنا كان يفضل الموت على البقاء مسجونا!
ولأنني عرفت معاناة سجنك وخبرته عن قرب وتعايشت معه.. والتي يصعب سرد بعض هذه المعاناة بهذه (العجالة) فان ذلك هو ما يضاعف من ألمي وقهري كأب وكزميل لأقرانك السجناء.. ولذا لا غرابة أن أظل أعيش مع معاناتكم وأنتم في زنازينكم بالسفر والحضر والحل والترحال.. وفي كل لحظة من لحظات عمري، مع إحضار كل الذكريات المريرة بين آن وآخر! والسؤال هنا.. هل يا ترى يحس ساجنيكم ولو ببعض آلامكم ومعاناتكم؟! لا أخال ذلك.. طالما ولا يزالون محسوبون على البشر أو هكذا يزعمون!!
أحسب أن البعض قد يحسدني على مدى صبري وتحملي لفراقك (مؤقتا) وقد يستغرب من طريقة مخاطبتي لك بهذه الأحرف التي تفيض دمعا ودما!! ودون إظهار حجم القهر والألم كما يجب! رغم أنني كما قال الشاعر:
(لم يبقى شيء من الدنيا بأيدينا
إلا بقية دمع من مآقينا)..
وما ذلك إلا لأن الله جلت قدرته.. حباني بما أنا عليه من صبر وتجلد.. وإيمان مطلق بقضائه وقدره.. ثم.. حينما تقوم والدتك وزوجتك وبعض أشقائك بزيارتك أحيانا ويسمعون صوتك عبر التليفون (الثابت) أحيانا أخرى.. وهي ايجابيات رغم ندرتها لابد من شكر فاعليها! فأقارن ذلك مع المحرومين من الزيارات والاتصالات ومع من لا تعرف أسرهم عنهم شيئا منذ اختطافهم قبل سنوات.. مما يخفف من الحزن والقهر والألم!!
ولعملك حبيبي حمزة.. فوالدك يعمل من اجل الإفراج عنك دون كلل.. وطرقت كل الأبواب المعروفة واستجرت بكل من يزعم قربه من (أنصار أنفسهم!).. بما فيهم من نبتسم لهم وقلوبنا تلعنهم ولسان حالي يردد.
(ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى
عدو له ما من صداقته بد).
وإن كنت أفكر بعدم اللجوء لغير الله وحده.. حتى لا يراق المزيد من ماء الوجه والذي لا أخالك ترضاه لوالدك!
لا أرغب بقول المزيد مما أرغب بقوله هنا.. لأجلك.. ولأنه لا يزال في فمي ماء..
ولذا ما أود التأكيد عليه ثقة بالله وتوكلا عليه.. هو أنك عزيزي حمزة ستخرج من سجنك مع رفاقك بعون الله إن عاجلا أو آجلا.. وكما صبرت قرابة أربع سنوات فاستمر بصبرك وتجمل به وانشر الأمل بين زملائك في (الزنزانة) وتطلعوا جميعا إلى غد مشرق خال من الهيمنة والتسلط وفي كنف يمن جديد لا فضل فيه لأحد على آخر إلا بما يقدم لأجله من تضحيات وتفاني وانتماء وإخلاص!
أخيرا عزيزي حمزة.. قد لا تقرأ هذه الأحرف قبل خروجك من سجنك.. لكن عزائي إن غيرك سيقرؤها حتما.. وقد يتعاطف ولو ظاهريا! كما سيقرؤها من كانوا برفقتنا معا..
وشهر مبارك على الجميع..وللجميع.
والدك المكلوم/
يحيى عبدالرقيب الجبيحي
القاهرة 202/4/23