آخر الاخبار

الرئيسيةكتابات جمال أنعم كائنات بلا كينونة

جمال أنعم
جمال أنعم
عدد المشاهدات : 930   
كائنات بلا كينونة
ثمة أناس يقول نيتشه: لا يصح أن يقال إنهم ماتوا لأنهم لم يعيشوا في الأصل، وكان يتحدث عن العيش ملء الزمن أن تعيش زمنك كله بكلك.
ولابن عربي، في رسائل ما لا يعول عليه "كل وقت محسوب عليك أو لا لك ولا عليك لا يعول عليه"، وتعني أن وقتك الذي تعول عليه هو المحسوب لك، إذ لا وقت ميت ولا وقت لميت وقته لم يكن له ولا عليه.
ولابن القيم في "الفوائد" ما يحيل على ذات البعد، إذ يقول:
ومشتت العزمات يقطع عمره..
حيران لا ظفر ولا إخفاق
لا أقسى من أن يفضي المرء إلى لا شيء، إلى حالة صفرية عدمية، لا هو ظافر ولا مخفق.
الحلم والخيال والتوق ونشدان الأفضل والأحسن والأجمل وعدم الرضا وعدم الاستكانة لشروط القهر المحددة للوجود والمكبلة لطاقات الروح والعقل والقلق الخصب الدافع إلى التجديد والإبداع والابتكار والبحث الدائب عن المدهش والمعجز، كل ذلك إمكانات منحنا إياه الخالق كي نستمر في الخلق والتحليق، وصنع مصائرنا وأقدارنا على أكمل ما نستطيع ونقدر.
أن تحلم وتتخيل وترغب وتريد، هي بعض رهانات الحرية، إذ وحده "العبد من يؤجل رغباته حتى موت سيده"، بحسب هيغل في ديالكتيك السيد والعبد.
في بلدان القهر والفقر تعمل آلة القمع على سحق الأحلام ومحاربة الخيال، تفرض كوابيسها بالقوة وتطارد الحالمين، تتعامل معهم كوباء، تعمل على إعطاب القدرة على الحلم، تضرب المخيلة، تنسف فعاليتها وتعيق نموها.
تصيبها بالكساح، تفرض بلادتها وإكليشاتها وخطاباتها المدمرة للعقل والروح وللوجدان، تسخر كل قواها من أجل صنع مخلوقات مدجنة تابعة طيعة مذعنة مستلبة قابلة للتكيف والتأقلم مع كل شروط القهر والانسحاق.
كائنات شبحية بلا ملامح ولا طموحات ولا تطلعات قابلة للعيش في الهامش وفي القاع ضمن الحيز الممنوح ووفق السقف المحدد وبحسب المفروض من القيود والمواضعات.
قابلة لكل أشكال العسف والطغيان ولكل صور الإهانة والإذلال برضا عبد مستكين لا يتذمر ولا يتأوه، ولا يبدي أي امتعاض، عبد مستلب بلا إرادة ولا مطالب ولا رغبات، يعيش في حالة انطماس وانمحاء تام.