آخر الاخبار

الرئيسيةكتابات د. عبدالله الشماحيثقافة الدولة لدى اليمني

د. عبدالله الشماحي
د. عبدالله الشماحي
عدد المشاهدات : 362   
ثقافة الدولة لدى اليمني

أقدم دولة في التأريخ على المستوى العالمي، هي الدولة اليمنية، وما أخبار ذي القرنين يجهلها أحد من العالمين.
ولقد امتدت هيبة الدولة اليمنية، حتى أقصى المشرق الأسيوي إلى الصين، كما ذكر ذلك مؤرخنا الفقيه العلامة اللغوي، نشوان بن سعيد الحميري، حيث كان يتم إرسال الولاة اليمنيين قبل الإسلام إلى منطقة "التّبِت"، والتي يوضح نشوان أنها كان اسمها مُصَحّفاً من "تبابعة"، يعني بلاد التبابعة. والتُبَّع عند اليمنيين يعني الملك، كما أن النجاشي يعني الملك عند الحبشة، وكسرى عند الفرس، وفرعون عند المصريين.
في الجزيرة العربية، حيث الكيانات القبلية العشائرية، قبل الإسلام وبعده، لم يتشكل كيان دولة فيها، يكاد يكون مستمراً، إِلَّا في اليمن، سواء كانت دولة مستقلة أم في إطار الدولة الإسلامية الكبرى مع قيام دولة الخلافة الإسلامية.
مع بزوغ فجر الإسلام، على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، اتجه اهتمام نبينا محمد، إلى البحث عن حاضنة تحمي الدعوة الجديدة، فلم يجدها إلا من اليمنيين أوساً وخزرجاً، وهم من عرّفهم صلوات الله عليه بالأنصار.
الهجرة الأولى للمسلمين إلى الحبشة، تدل على اجتهاد نبينا في إيجاد محمية قوية تحمي الدعوة الجديدة، ولكن الحبشة أثبتت بعد ذلك أنها لن تكون ذلك المحضن الآمن، بسبب الطبيعة المجتمعية، التي لم تسمح حتى للنجاشي أن يعلن إسلامه، ولهذا تحوّلت أنظار المسلمين عن الحبشة إلى يثرب، موطن اليمني المهاجر، والذي يحمل ثقافة الدولة.
اليمن في هذه الفترة المبكرة في تأريخ الإسلام، كان يمكن أن يكون المحضن للدعوة الإسلامية الناشئة، ولكن تفكك الدولة فيه، والذي حدث وللأسف قبيل بزوغ الميلاد المحمّدي بوقت ليس طويلاً، أضاع الفرصة على اليمن أن تكون هي المهد الأول للدولة الإسلامية الكبرى.
ثقافة الدولة لدى اليمني، شهد بها القرآن، في أكثر من موقع، مع استشارة ملكة سبأ لمجلسها، وفي الوصف القرآني الرائع لمملكة سبأ، والجنتان عن يمين وشمال. ثم يأتي التخصيص القرآني بوصف اليمني بممارسة الشورى، "وأمرهم شورى بينهم"، حيث الشورى، من أخص الخصائص في ثقافة الدولة وقيام الدول.
تتجلى ثقافة الدولة لدى اليمني، في أخطر مرحلة في تأريخ الإسلام، بعد وفاة نبينا صلوات الله عليه، حيث مثّلت وفاة نبينا، صاعقة على المسلمين، ولكن اليمني من خلال ثقافة الدولة لديه، لم يستسلم لصاعقة الحُزن تلك، فانطلق الأنصار مسرعين إلى سقيفة بني ساعدة، ليتشاوروا في اختيار من يقود الكيان والدولة بعد وفاة رأسها.
ثقافة الدولة، أعطت اليمني وسام المبادرة إلى سقيفة بني ساعدة، كما أن ثقافة الدولة تلك، قد أعلمته أن الاختلاف في الرأي والإصرار عليه، لا يتناسب مع ثقافة قيام الدول، لذا فقد التف الأنصار حول قيادة من خارجهم، متمثلة في الخليفة الأول أبو بكر الصديق رضي الله عنه.
ثقافة الدولة هذه لدى اليمني في ظل الإسلام، انعكست على اليمني حيثما حلّ سواءً في اليمن أو خارجه، لذا نجده ينشيء الدولة في موطنه وكان أبرزها، الدولة الصليحية، ثم تبرز بعد حين الدولة الرسولية، والتي يصفها والدي العلامة المؤرخ في كتابه "اليمن الإنسان والحضارة"، بأنها أول دولة يمنية كبرى، نشأت بعد انهيار الدولة الحميرية قبيل الإسلام.
اليمني في ظل الإسلام، أثبت أنه حضاري بطبعه، فهو لا يتقوقع في بني جنسه، فثقافة الدولة لديه، جعلته ينطلق بعقلية عالمية أمميّة، ليشارك في الكيانات الإسلامية الكبرى، فكان جندياً وكان قائداً وكان أميراً، في بقاع العالم المتعددة، من أقصى أسيا مروراً بأفريقيا، وصولاً إلى أوروبا. ويكفي أن نشير أن أعظم ملوك أوروبا، كان اليماني الأندلسي المنصور بن أبي عامر "327 - 392 هـ / 938 - 1002م"، والذي كان يهابه جميع ملوك أوروبا، والذي بلغت في أيامه الأندلس "أسبانيا + البرتغال + جنوب فرنسا"، أوج قوتها على الإطلاق.
ثقافة الدولة لدى اليمني اليوم، وشهامته وعزّة نفسه، وإقدامه وشجاعته وتضحيته، هي من ستتحدى جميع من يراهن على وحدة اليمن وجمهوريته، فاليمن غني بطبيعته الجغرافية، وموارده الطبيعية، وكثافته السكانية، التي تؤمّن سواعده العاملة الوطنية، والتي لا تنشأ الدول عادة بدون سواعد أبناءها.