آخر الاخبار

الرئيسيةكتابات بلال الطيبعابرون إلى الوطن

بلال الطيب
بلال الطيب
عدد المشاهدات : 230   
عابرون إلى الوطن

«إن موقف الطاغية كذلك الذي يَقطع الشجرة لكي يَقطف الثمرة»، حِكمة قالها الفيلسوف الفرنسي شارل مونتيسكيو قديمًا، فجسدها الأئمة من بيت حميد الدين وأسلافهم في حُكمهم الكهنوتي، وكما كانت اليمن بالنسبة لهؤلاء قرية للجبايات الكبيرة، كان الشعب تلك الشجرة الغنية بالثمار، التي سقطت في الأخير فوق من اعتدى عليها، وأردته قتيلًا.
تعددت أسماء الجبايات الإمامية، والسلب في النهاية واحد، تارة كانوا يسمونها زكاة، وتارة واجبات، ومرة عُشر، وأخرى حق بيت المال، وكُله في الأول والأخير يتم باسم الله، ويُنهك عباد الله، جعلوا من الرعية مصدرًا رئيسيًا لدخل الدولة، ولم يبحثوا عن مصادر أخرى، وعن ذلك قال الأستاذ أحمد محمد نعمان: «لقد بات من المُقرر أنَّه ليس للحكومة مورد من موارد المال إلا من أرض الفلاح، ومزرعة الفلاح، وعناء الفلاح، وكد الفلاح، فهو قُوتُها، وقوتها، وكنزها، ومتجرها الذي لا تعرف سواه».
مـارس الإماميون العبث على عباد الله، في حياتهم وممتلكاتهم، فالاستبداد المُطلق، كان عنوان حكمهم، وهويته اللصيقة به، والطغيان الأحمق، كان سُلوكهم اليومي الذي يتباهون به، قـادوا البلاد والعباد بما أملته عليهم رغباتهـم الفجَّة، وفَصّلوا فقهاً سياسيًا يشملهم بكل الخيرات، ويستثني كل اليمنيين، كانوا يقولون أنَّهم يَحكمون بأمر الله، وباسم الحق الإلهي، وما من استبداد سياسي -كما قال الكواكبي- إلا ويتخذ لنفسه صفة قدسية يشارك بها الله، والطغاة -كما قال علي الوردي- يعبدون الله، وينهبون عباد الله في آن واحد.
بسقوط المناطق الوسطى وتهامة بيد جحافل الفيـد الإمامي، انكمشت الأماني، وتراجعت الأحلام، وصارت الغُربة خيار الجميع المُر، رفع الأئمة السلاليون من وتيرتها، ضيقوا على الرعية أيما تضييق، أجبروهم على الرحيل والمغادرة، في مشهد مؤلم، تكرر بكثافة طوال عهدهم البائس، ولم يبق في القرى الخضراء سوى الشيوخ، والأطفال، والنساء، يندبون حظهم العاثر، ويشكون لله ظلم الإمام، وجور العساكر، ويبكون فراق الأب، والابن، والأخ، والزوج.
من اللحظات الأولى لاجتياح عساكر الإمام يحيى مناطق إب وتعز بقيادة ذئبه الأسود علي الوزير، وقع الرعية بين خيارين كلاهما مُر: البقاء أو الرحيل، وحين وزع الطاغية بنيه سيوف الإسلام على أعمال اليمن، اشتد الظلم، وعمَّ البلاء، وفي ذلك قال الشهيد محمد محمود الزبيري:
والشعبُ في ظِلّ السيوفِ ممزقُ الـ
أوصالِ, مضطهدُ الجَنابِ يضامُ
وعليه إمَا أنْ يُغادرَ أرضَهُ
هرَبًا وإلا فالحياة حِمامُ
في مذكراته تحدث المناضل عبدالغني مطهر العريقي عن رحلته الأولى إلى المهجر نهاية العام 1932م، وعمره لا يتجاوز الـ 12 ربيعًا، وهي تفاصيل طويلة اختزلت جُلَّ المعاناة، شبه بلده بالسجن الكبير الذي «نسجت جدرانه عناكب الحكم الإمامي، فاختنقت الحريات في شباكه، وأهدرت في براثنه كرامة المواطنين».
وفي أنّته الأولى خاطب الأستاذ أحمد محمد النعمان السلطات الإمامية الغاشمة قائلاً: «لقد صبرنا حتى سئمنا الصبر، وسئمنا للصبر نفسه، وكادت الشعوب التي ملأنا أرصفتها، وموانيها، وشوارعها أن تجأر بالشكوى، وتصيح بملء فيها من عناء احتمالنا، ومزاحمة سكانها». 
كان عدد سكان المملكة المُـتوكلية بعد خروج الأتراك من اليمن لا يتجاوز السبعة ملايين نسمة، وقيل أقل من ذلك، مئات الآلاف منهم قضوا نحبهم بفعل المجاعات، والأمراض، والحروب التي لم تتوقف، و1,200,000 منهم تفرقوا في أغلب بلدان الله - هروبًا من ذلك الجحيم، وهكذا تناقص سكان اليمن، ووصل عددهم إجمالًا، وفي أواخر أربعينيات القرن المُنصرم إلى حوالي ثلاثة ملايين نسمة.
كان الإمام يحيى دائمًا ما يلجأ إلى مُصادرة أموال اليمنيين الذين بدت عليهم علامات الثراء، ويقوم بضمها إلى بيت المال الذي هو في الأصل بيته؛ وذلك خوفًا من أنْ ينازعوه الحكم، وهي حقيقة أكدها هلفرتز بقوله: «ولا يستطيع أي يماني أنْ يجني ثروة كبيرة تجنب أن يُصبح مشبوهًا من الناحية السياسية في يوم ما، إذ أنَّ المال يأتي بالسلطان، ولا يريد الإمام أنْ ينازعه بالسلطان أي من رعاياه».
وتبعًا لذلك كان التجار التعزيون وغيرهم الكثير أكثر فئة مُتضررة من حكم هذا الإمام الطاغية، انتزع الأخير التجارة الخارجية منهم، وسلمها لوكلاء مُقربين منه، واحتكر السلع الموردة، والمصدرة؛ الأمر الذي جعل هؤلاء التجار يفرون إلى عدن، ودول القرن الإفريقي، وبعض دول شرق أفريقيا، وكان لهم تبعًا لذلك عظيم الأثر في دعم ومُساندة الأحرار في الداخل، وقد سجل الأستاذ سعيد أحمد الجناحي أدورهم باستفاضة بالغة في كتابه الموسوم «أوائل المغتربين وحكاية العبور إلى الوطن».
ومما قاله الجناحي عنهم: «لا شك أنَّ مسار المغتربين اليمنيين تميز بخصوصيات لم تتوفر عند غيرهم، حين تجاوزت هجرتهم من أجل الذات إلى هموم الوطن، ومشاركتهم في حركة التغيير التي كانت هم كل القوى الوطنية، لذا برز دورهم في خضم الأحداث الوطنية، مما حدد مكانتهم في أدبيات الحركة الوطنية التي زخرت بتسجيل تضحياتهم، ومواقفهم، وأدوارهم، فأضحت جزءًا من تاريخ الثورة اليمنية».