آخر الاخبار

الرئيسيةكتابات الدكتور/ياسين سعيد نعمانالفصل بين وقف الحرب وحل القضية

الدكتور/ياسين سعيد نعمان
الدكتور/ياسين سعيد نعمان
عدد المشاهدات : 323   
الفصل بين وقف الحرب وحل القضية

في الخطاب الذي ألقاه الرئيس الأمريكي "بايدن" في وزارة الخارجية، يوم أمس الأول، حظي موضوع وقف الحرب في اليمن باهتمام كبير.
لقد كان تسليط الضوء على هذه المسألة محط اهتمام يمني وإقليمي ودولي.
وبغض النظر عما حواه الخطاب بشأن وقف الحرب من موقف غلب عليه الاستعراض السياسي للبرنامج الانتخابي للرئيس بايدن، إلا أن إثارة الموضوع بذلك المستوى من الأهمية بين قضايا العالم، كان مؤشراً على ما تبديه الإدارة الأمريكية الجديدة من قلق بشأن الوضع الأمني في منطقة تعد ذات قيمة إستراتيجية بالنسبة لأمن ومصالح أمريكا.
وكان من الطبيعي أن تكون مسألة الحرب في خطابه بمثابة قضية جامعة وقاسماً مشتركاً ليجعل من دعوته لوقف الحرب في اليمن مدخلاً لتحريك كل الملفات الساخنة، بما في ذلك الاتفاق النووي الإيراني، إضافة إلى ما سيرتبه ذلك من تأثير في تحريك عملية السلام بديناميات إضافية، وإعادة القضية السياسية اليمنية إلى دائرة الضوء.
لكن ما يمكن استنتاجه من الخطاب هو أن استمرار الحرب أخذ يدحرج هذه القضية بعيداً عن جذرها السياسي، حتى أن الحرب أخذت تنفصل عن القضية في عدد من الدعوات لوقف الحرب على نحو مجرد، وبالتالي راحت تنزع عنها أهميتها فيما يخص الوضع السياسي اليمني الداخلي وتبرز ما تشكله من خطر على السلام الإقليمي، وهو ما سعى إليه الحوثيون ومن ورائهم إيران، لتبدو وكأنها معزولة عن جذرها السياسي، وتحجب الرؤيا، في نفس الوقت، عما ارتكبوه من جريمة بمصادرة الدولة بقوة السلاح.
وعلى الرغم من أن جزءاً من الخطاب، في محتواه العام، جاء معبراً نسبياً عن هذه النتيجة التي سعى إليها الانقلابيون وهي المناورة بتطويل زمن الحرب، وفصل وقف الحرب عن خل القضية، إلا أنه حينما نتابع الإطار الأوسع الذي تم فيه استعراض القضية في الخطاب نستطيع أن نستخلص عدداً من المحددات التي لا يمكن إهمالها عند التفكير في الخطوات القادمة للدبلوماسية الأمريكية على هذا الصعيد.
1- إن طول أمد الحرب غدا محرجاً للمجتمع الدولي وخاصة الدول الكبرى التي ساندت بوضوح مشروعية استعادة الدولة منذ البداية، لكن الملاحظة التي يمكن أن تقال في هذا الجانب هي إن المجتمع الدولي لم يدافع بقوة عن قراراته التي اتخذها بشأن إنهاء الانقلاب المتسبب في كارثة الحرب، ومنها القرار 2216، بل أخذ يتحرك على هامشها بحثاً عن سلام لا تدعمه أي متغيرات على الأرض، وهو ما أعطى للانقلاب الحوثي فرصة للتمدد والمناورة، وتمرير سياسته في تعقيد الحل وتشبيكه مع متطلبات إقليمية تخدم السياسة الإيرانية وأطماعها في المنطقة.
2- إن الحرب في اليمن غدت، من وجهة نظر الكثيرين، تهدد كامل الإقليم بعدم الاستقرار، وهو ما يجعل أمن هذا الإقليم الذي يشكل أحد عناصر الاستقرار في إستراتيجية الأمن العالمي على المحك، وهذا البعد كان عاملاً مهماً في إعطاء وقف الحرب ذلك القدر من الاهتمام، ولم يكن هناك من أساس للدعوة إلى وقف الحرب سوى الجانب الإنساني.. لكن هل وقف الحرب سيشمل حل القضية السياسية؟!
3- إن استخدام الجانب الإنساني في القضايا المعقدة يسهل إيجاد تحالفات ضاغطة لتسريع وقف الحرب، غير أن ما يسكت عنه هذا الخطاب الضاغط هو التعقيدات السياسية للقضية اليمنية والناشئة عن الاستيلاء على السلطة بقوة السلاح من قبل جماعة تدعي التميز والحق الإلهي في الحكم، ناهيك عن التدخل الإيراني في الشئون الداخلية لدول المنطقة والضغط بمشروعها النووي لتمرير سياساتها التوسعية كثمن لتجميد جزئي ومؤقت لهذا المشروع.
4- لم يحمل الخطاب أي تلميحات بحلول من نوع ما، وإن كانت بعض الإجراءات التي اتخذت بشأن تجميد بيع السلاح قد شكلت رسالة قوية لإيران والحوثيين أكثر منها لدول التحالف، بمعنى أن هذا الإجراء يجب أن يتوقف معه الدعم الإيراني للحوثيين، وتتوقف معه عملياتهم العسكرية التي تتم حالياً من طرف واحد في كافة جبهات القتال.
5- إن تعيين مبعوث أمريكي لمتابعة الوضع في اليمن يدل بوضوح على مسألتين مترابطتين، الأولى أن الدعوة لوقف الحرب ستسير جنباً إلى جنب مع الجهد الدولي الذي تقوده الأمم المتحدة بإيجاد حل للقضية بالاستناد إلى مرجعيات الحل المتفق عليها، والثانية هي أن أمريكا تعمل على إعادة صياغة عناصر إستراتيجيتها في المنطقة في ضوء التغيرات التي حدثت خلال الأربع سنوات الماضية، وهي تغيرات هامة، وربما تتقاطع مهمته مع مهمة المبعوث الأممي السيد جريفتس عند نقاط معينة، ولكن لن تتعارض معها، ذلك أن مهمته أوسع بمقدار ما تتسع له القضية اليمنية من جغرافيا سياسية وعسكرية وأمنية إقليمية على وجه الخصوص.