آخر الاخبار

الرئيسيةكتابات علي الفقيهالميدان يفرز القيادات

علي الفقيه
علي الفقيه
عدد المشاهدات : 482   
الميدان يفرز القيادات

نخوض معركة حاسمة ومفصلية بدون قائد، ومع ذلك يفرز الميدان قيادات حملت على كاهلها القضية وحظيت بثقة المقاتلين والحاضنة الشعبية، وخاضت، ولا تزال تخوض المعركة بجدارة، كما وتحول هؤلاء القادة إلى مدارس لتخريج القادة وتقديم القدوة والنموذج للشباب.

فقدنا طابوراً طويلاً من القادة ابتداءً من حميد القشيبي، وليس انتهاءً بالبطلين عبدالغني شعلان ونوفل الحوري، ومع هذا فتجربة شعلان في القوات الخاصة بمأرب تجعلنا نشعر أن لدينا نسخ كثيرة من عبدالرب الشدادي، الذي جمع بين الشجاعة وكاريزما القيادة ونظافة اليد وامتلاك الرؤية لإدارة المعركة.
كيف آمن مئات الشباب من منتسبي قوات الأمن الخاصة بالعميد عبدالغني شعلان وصار "أبو محمد" اسماً ذهبياً يمنح مئات الآلاف من سكان مأرب والعابرين منها يشعرون بالطمأنينة، وجعل كثيراً من الشباب يتطلعون لشرف الالتحاق بقوات الأمن الخاصة.
"أبو محمد" شاب في الأربعين من عمره، لكن العشر السنوات الأخيرة التي قضاها مدافعاً عن الجمهورية وعن أحلام الشعب يمكن القول إنها توازي ما يمكن أن يحققه غيره في عشرات السنين.
قابلت الرجل مرتين في مأرب، الأولى في 2016، والثانية في 2019، وفي كل مرة كنت أخرج بانطباع يعزز يقيني أنني قابلت قائداً من طراز فريد ويحظى بجاذبية عالية، قليل من الكلمات يتحدثها الرجل بصوت هادئ تلمس منه الصدق، لكنه كثير العمل لا يتوقف عن الحركة، يتحدث من قابلوه كثيراً وفي أوقات وأماكن مختلفة أنك لا تكاد تراه إلا مرتدياً بزته العسكرية وبكامل الجاهزية.
بدأ مشواره النضالي برفقة رفيقه وقدوته اللواء عبدالرب الشدادي في حراسة ساحة التغيير بالعاصمة صنعاء، وانتقل بعدها من صنعاء لحراسة الجمهورية في صحراء الجوف التي عين فيها نائباً لمدير الأمن، ورغم أن المهمة أمنية، إلا أنها كانت في حقيقتها عسكرية، حيث كانت الجوف هدفاً لهجمات متواصلة من مليشيات الحوثي التي جعلتها هدفها التالي بعد محافظة صعدة.
وحسب ما روى لنا الرجل في جلسة قصيرة قضيناها معه بمأرب في 2019، أنه أصيب بجروح في مواجهات مع مليشيا الحوثي في الجوف عام 2014، نقل على إثرها لتلقي العلاج في مستشفى جامعة العلوم بصنعاء، وكان الحوثيون يومها على أطراف صنعاء، وعندما اقتحم الحوثيون صنعاء اضطر الرجل لمغادرة المستشفى قبل أن يتلقى العلاج، وتنكر ليسافر من صنعاء إلى الحديدة وعبر طرق ملتوية وطويلة وصل إلى مارب لأنه كان يومها هدفاً مطلوباً للحوثيين بعد أن أذاقهم الموت في معارك الجوف.
وفي مأرب بدأ مرحلة جديدة من النضال، حيث تولى مهمة تأمين المدينة من الداخل وتصفية الخلايا التي كانت مجهزة لتفخيخها من الداخل لتسهل على الحوثيين إسقاطها، ونجح في ذلك بدءً من العمل بمجاميع أمنية صغيرة، وانتهى بتأسيس قوة مرتبة ومدربة غالبيتهم شباب بين العشرين والثلاثين، وقادتهم لا يتجاوزون الأربعين متخففين من الأمراض، التي أوهنت كثيراً من الوحدات العسكرية والأمنية.
آمن الأفراد بقائدهم وأيقنوا أنه فدائي وليس مجرد ضابط يمارس عملاً رسمياً، فتجردوا لمهمتهم وتقمصوا شخصية قائدهم، ليترجموا القيم التي تعلموها منه على الأرض.
لا يزال لدينا الكثير من القادة الذين يملكون القدرة على صناعة واقع وإلهام الشباب قيم الفداء والتضحية وخوض معركة الدفاع عن الوطن بجدارة، والميدان ينتج كل يوم قادة جدداً.
إلى جانب إيماني بحكمة وحنكة اللواء سلطان العرادة، وعقب استشهاد القائد "أبو محمد" تابعت مقطعاً للقائد ناصر الذيباني "أبو منير" وتذكرت فدائية وبطولة أمين الوائلي، وإصرار وتضحية مفرح بحيبح، وجسارة منصور الحنق، ووراءهما الآلاف من الجنود المعلومين والمجهولين، فشعرت بالاطمئنان أن الميدان يفرز قيادات جديدة وأننا لن نصل إلى حالة فراغ، وكلما صارت المعركة وطنية أكثر، وأقصد بذلك التخفف من الارتباط، بالاعتماد على الآخرين، كلما زادت فرص دحر مليشيا الإمامة.