آخر الاخبار

الرئيسيةكتابات احمد عبدالملك المقرميالصف الجمهوري

احمد عبدالملك المقرمي
احمد عبدالملك المقرمي
عدد المشاهدات : 286   
الصف الجمهوري

حين تقرأ في مذكرات من عايش، وكتب عن مواجهات الثورة والجمهورية للإمامة وفلول الملكيين في نهاية ستينيات القرن العشرين، تجد مصطلح الصف الجمهوري يتردد كثيرا في كتاباتهم.

والأهم الذي يجب معرفته هنا، ويجب أن يعرفه الصف الجمهوري اليوم، هو أن الصف الجمهوري في مواجهة الإمامة والملكيين بالأمس، كان ينقسم على نفسه، وقد تتباين آراؤه، وتختلف وجهات نظره، وربما وصل إلى حد استبعاد بعض القيادات، وإقصائها عن المشاركة في السلطة، بل وصل إلى حد سجن الحكومة مع عدد من القيادات السياسية في مصر لأكثر من عام، منذ منتصف سبتمبر 1966 إلى منتصف أكتوبر 1967م.

لكن رغم كل هذا التباين والانقسام في الرأي ، إلا أنه لم يصل أبدا إلى أن يتخذ أي من فريقي الصف الجمهوري موقفا ضد التمسك بالثورة والنظام الجمهوري، فقد ظل الجميع مخلصين ومتمسكين بالنظام الجمهوري، ولم يساوم أحد على هذا المبدأ، ولم يتملق أي منهم الملكيين أو يتزلف أحد من الفريقين للإماميين، نكاية أو تشفيا بالآخر، وإنما كانوا صفا واحدا، يؤطرهم التمسك بالنظام الجمهوري، ورفض الإمامة وبيت حميد الدين.

لقد كانوا واضحين في مواقفهم، واضحين في تصريحاتهم، واضحين في بياناتهم ومنشوراتهم.

كانت مصر، التي وقفت مع الثورة اليمنية، قد قررت سحب قواتها من اليمن إثر هزيمة حزيران 67م.

يذكر محسن العيني، رحمه الله، في مذكراته، "حاول المسؤولون في صنعاء، عبثا، إقناع عبد الناصر بعدم سحب قواته".

وبعد حديث طويل قالوا له: "سنكتفي بعشرة آلاف، طيب خمسة آلاف"، فقال لهم: "يبدو أنكم في واد آخر، ولا تدركون ما نحن فيه".

وهذا الأمر شجع الملكيين على شن هجمات مدعومة نحو العاصمة صنعاء، شارك فيها مرتزقة أجانب، وشجعها كذلك ما رأته من خلاف لدى الصف الجمهوري.

يذكر الأستاذ محسن العيني في مذكراته: "خمسون عاما في الرمال المتحركة"، وهو يتحدث عن أحداث أغسطس بين الجمهوريين، فيقول: "ومن المفارقات العجيبة أن أسلحة الجمهوريين من الجانبين أوقفت إطلاق النار فيما بينهما، وتوجهت في وقت واحد نحو الهجمات الملكية التي حاولت استغلال الفرصة لاحتلال بعض المواقع".

مواقف راسخة، وروح وطنية صادقة، تجاه النظام الجمهوري، إنه هدف يرفضون أن يجعلوه محلا للمساومة، نكاية، أو تشفيا، أو فرصة لتصفية الحسابات، فيهادنون الملكيين أو الإماميين، كما تفعل بعض مواقف أولئك البعض، الذين ربما يسلخون المقاومة الشعبية، أو الجيش الوطني ببياناتهم، ومنشوراتهم، أو بمقالات رديئة، أو بمقابلات تلفزيونية مصنوعة، في حين لا يتعرضون للمشروع الظلامي للكهنوت الحوثي المدعوم من إيران بإشارة خفية، ناهيك عن عبارة، أو حتى كلمة واحدة صريحة.

وبنقل صورة لحقيقة مواقف الصف الجمهوري يومذاك، يقول المرحوم محسن العيني، وهو يصف عودة كل الجمهوريين من الخارج، مع أعضاء الحكومة التي كانت معتقلة بمصر، يقول: "وكان المشير السلال وأركان حكومته في الحديدة، كما توافدت إليها جموع كبيرة من رجالات البلاد والمواطنين، وكانت المشاعر متباينة، جماعة حكمت، وجماعة اعتدي على كرامتها وحريتها فقضت الأشهر الطوال في السجون ...ولكن شيئًا واحدا كان يطغى على هذا كله هو الشعور بالخطر، الخطر على الجمهورية".

ويمضي يصف الصف الجمهوري الصلب: "والحق أن واحدا من الواصلين لم يكن يفكر في تصفية أي حساب، ولا في إحداث أي إرباك، ولا في تعقيد لأي موقف، كانت الرغبة في التعاون المخلص قائمة ... تفاديا لأي خلاف يضعف الصف الجمهوري".

عندما تكون الأولويات واضحة، والمواقف ثابتة، يتحدد الهدف بدقة، فيصطف الجميع بإخلاص.

وحين تكون تصفية الحسابات، والمكايدات هي الأولوية، ويكون توهم صنع البطولات في المكان الخطأ، وحيث لا تتطلب أي كلفة، وبعيدا عن أي اصطفاف جاد للهدف الكبير، الذي يستبدل بأهداف رخوة، وارتهان لغير الوطن رجاء مصالح آنية، ومنافع ذاتية، فاعلم حينئذ أن البوصلة مفقودة، وأن الزمام تتحكم به أيادٍ عابثة، أو خارجية.

إننا بحاجة إلى صف جمهوري مخلص في أدائه، متفان في عمله، ظاهر في مواقفه، يكون شعاره متطابقا مع شعار الصف الجمهوري الأول: الجمهورية أو الموت!