آخر الاخبار

الرئيسيةكتابات محمد أحمد بالطيفإلى الحوثيين: إني لكم ناصح أمين

محمد أحمد بالطيف
محمد أحمد بالطيف
عدد المشاهدات : 326   
إلى الحوثيين: إني لكم ناصح أمين

طفت، قبل أيام، حول مأرب، لعلي أجد بعض إجابات عن سؤال واحد: إلى متى ستظل مأرب صامدة، وكم هي مقدرتها على الصمود؟

في مأرب حيث يحتشد أكثر من مليوني يمني فروا من مناطق حكم الحوثي، وقد غسلوا من العيش معه أيادٍ وقلوب، قرروا أن لا يكون للحوثي عليهم سلطان في حياتهم، فغادروا قراهم ومدنهم وتركوا بيوتهم ومزارعهم هناك غير عابئين، ثم تجمعوا هنا من عموم مناطق اليمن ثم أجمعوا أمرهم أن لا يكون للحوثي إليهم سبيلاً.

طفت حول مأرب كباحث عن جواب فعدت محملاً بألف تعجب وألف سؤال واستغراب.

من مديرية الحداء محافظة ذمار، كرسي المذهب الزيدي، حاضنة مليشياتكم أيها الحوثيون، التقيت بـزميل دراسة وصديق عزيز افترقنا منذ ذلك الزمن، فقد البكر من أولاده في معركة صرواح، وآخر من أولاده معاق بسبب إصابة في جبهة أخرى، ظننته سيلعن الحرب التي تسببت لأسرته الصغيرة بكل هذه الفواجع فوجدته مبتسماً كأن لم يكن شيئاً قد أصابه، غمرني كثير من الحزن فحاولت أن أواسيه فإذا به هو من يواسيني ويبشرني بالنصر القريب!

في الطريق إلى الجبهة وفي الخطوط الخلفية رأيت أشباح من تراب تمشي على قدمين حافيتين، سلَّم أحدهم علينا وثيابه يتناثر منها الرمل وكأنه قد خرج من الأجداث ليوم الحشر والنشور، إنه من عمران يبتسم عائداً من الخطوط الأمامية وعلى عجالة يصف لنا كيف ترك رفاقه يحصدون جحافل الحوثيين كحصد المنجل للهشيم المحتضر، ثمة حسرة دهمتني وأنا أنظر لأحدهم يعرج وفيه أسياخ الحديد لازالت مثبتة وهو يصرخ بصوت كالرعد أهلاً بكم أيها الضيوف تفضلوا إلى الخيام، لكننا واصلنا المسير، نحو كسارة جديدة تنصب لكم أيها الحوثيون على مشارف مأرب في كل اتجاه.

برفقة شباب من بني حشيش في صنعاء، واحدة من معاقل الحوثيين، دكتور ومعه ثلاثة من بني عمومته توغلوا بنا نحو الخطوط الأمامية ويرون لنا الكثير عن صور البطولة والبسالة والصمود.

أيها الحوثيون:

إني لكم ناصح أمين ليس حباً فيكم بقدر ما هو حب لهذا الشعب العظيم وهذا الوطن الغالي الذي تسوقونه إلى مقتلة عظيمة أليمة خاسرة.

عند العودة إلى المجمع، تدرك أن ثمة رجال استثنائيين هنا بنوا صروحاً عظيمة، وأنبتوا مدينة كبيرة من تحت أطباق الرمال وخلال أعوام قليلة، ليتبين لك أنك أمام شعب عظيم يخلق من الطين والرمال مدن وحواضر أشد صلابة من الحجارة والحديد، شعب يراد له أن ينكسر وهو يأبى إلا البقاء في وجه كل التحديات.

ثلاثة ملايين من البشر لا تكاد تجد بينهم متذمر واحد من الحرب ولا مهادن، رغم أنهم يكتوون بنارها في كل يوم، بل وعلى مدار الساعة، لكنهم قد تكيفوا معها وأصبحت جزء من برنامجهم اليومي وعادة من عاداتهم التي لا يستوحشونها.

أقول للحوثيين: قبل أن تفكروا في كيفية نهاية هذه المعركة مع هؤلاء القوم عليكم أن تتخيلوا ما لم يكن في حسبانكم، مئات الآلاف هنا على أقل تقدير لن يموت واحد منهم قبل أن يفني منكم العشرات بل المئات، بمعنى أن عليكم أن تجهزوا ثلاثة مليون قتيل على الأقل قبل أن تحلموا في حسم المعركة ولن تحسموها أبداً مهما فعلتم، فثمة مناطق أخرى لازالت تتربص بكم من بين أيديكم ومن خلفكم، وعن أيمانكم وعن شمائلكم والله من فوقكم.

إني لكم ناصح أن تعيدوا تفكيركم إن كان ما زال لديكم ما تفكرون به، وتحسبون له حساب، وإن كنتم مجرد أدوات للانتقام من هذا الوطن العظيم وإنما يسوقكم أعداء هذا الشعب المحسود، فواصلوا مسيرة المحرقة الكبرى حتى نهايتكم المحتومة.

أقسم لكم بالذي خلق السماء وبسط الأرض أن شيئاً لم يسجل له التاريخ نظير من قبل سيحجز له مكاناً بارزاً في صفحاته وسيحدث لكم على أسوار مأرب التي سبق لها وأن دونت تاريخها في الزبر الأولى وفي التوراة والإنجيل والقرآن الكريم.

مئات الآلاف هنا على أقل تقدير لم يعد لهم من عاصم يعتصمون به ولا ملجأ يلتجئون إليه، إلا الله وحده، ثم متارسهم وبنادقهم وفؤوسهم ومناجلهم وقبضات أياديهم ومخالبهم وأسنانهم، وستقاتلكم النساء من فوق أسطح البيوت والأطفال سيرمونكم بالحجارة إن عدموا السكاكين.

جهزوا ما تبقى من أبناء هذا الوطن ثم سوقوهم نحو الموت زرافات ليرضى عنكم أعداءنا وأعداءكم وأعداء هذا الوطن ويمنحوكم مزيداً من الضوء الأخضر لتواصلوا التسلسل في حبائل الشيطان واستدراجاته لكم ولنا جميعاً.

أقسم لكم بالله غير حانث ولا كاذب، أن ثمة رجال وعددهم ليسوا قليلاً سيفنون منكم الكثير وليس لديهم ما يخسرونه، فلم يبق لديهم إلا ما حباهم الله به من كرامة سيصونونها من أن تمسوها بسوء.

ثمة انتقام تجسدونه بصلفكم هذا ضد هذا الشعب المكلوم المنبوذ بين الناس، والذي لم يعد أمامه من شيء يحافظ عليه غير الكرامة والشهامة والرجولة التي لم يعرف من حياته كلها شيء يفتخر بها بين العالمين سواها، وهي في مأرب ومن أوى إليها ماثلة في أبهى صورها وأروع هيئاتها.

توقفوا أيها المغفلين الجهلة ولا "توهدروا" ما تبقى من فلذات أكباد هذا الوطن في هذه الهوة السحيقة لا أبا لكم.

ستندمون، وأقسم بالله أنكم ستندمون، لكن، ولات حين مندم.