آخر الاخبار

الرئيسيةكتابات عبده سالمالرشد في زمن الاختناق ولحظة الارتباك

عبده سالم
عبده سالم
عدد المشاهدات : 368   
الرشد في زمن الاختناق ولحظة الارتباك

كثرت التأويلات، وكثر التصنيفات، وكثرت الارتباكات، وكثرت التبرمات والشكاوى، وكثر الفرز والخلط والهرج، وسادت التفاهات.

هناك من يدعون إلى الإصغاء للمبشرين الجدد من المثقفين المنفتحين، الذين يخوضون في أمور الشرع ويتصدرون النصح.

وهناك من يدعون إلى الاصطفاف مع كلام وآراء العلماء والدعاة، الذين يوصفون بالمتشددين.

وهناك من يدعون إلى الكفر بالجميع، وينهجون نهجا إلحاديا خالصا.

وهناك من يدعون إلى الوقوف السلبي بالوسط بهدف التعايش مع الجميع والتشبيك مع الكل اتقاء الفتنة، وبدون رؤية تحدد كيفية هذا الاتقاء.

هناك من ذهب بعيدا إلى الدعوة للتعايش مع الأديان والتفاعل مع الشراكة مع أتباعها كما دلت على ذلك حملة المناضلة الفلسطينية الراحلة "شيرين أبو عاقلة".

وهناك من هاله كفر الكفار، وانهيار ميزان الصلاح، واتساع رقعة الارتباك، فحدث عنده انهيار نفسي وعاطفي، كونه لم يكن لديه من الفكر والثقافة والتوازن العاطفي ما يمكنه من التعامل مع هذا التداخل المرتبك برباطة جأش، وبالتالي انكفأ يبكي بكاء الخائر العاجز عن فعل شيء.

وهناك، و.... وأمور كثيرة، وكلها تدل على حالة ارتباك أعقبت حالة اختناق وانسداد قديم في الرؤية، وانحسار فكري وثقافي، وغياب الرأي والرشد، وفيه عجز العقل الجمعي عن الاجتهاد وتقديم تصور راشد للفكرة والمضمون.

لقد سبق للبعض أن صرخ ونادى إلى ضرورة الالتفات إلى هذا الوضع المرتبك من وقت مبكر، ولكن لم تبلغ صرخاتهم آذان المعنيين.

علينا الآن جميعا ألا نقلق من هذه الظاهرة بكل اعتمالاتها وإفرازاتها، فكلها اعتمالات لها أسبابها ولها مقدماتها، وكلها ستسهم في النهاية إلى إيجاد واقع يفرض على الجميع البحث عن مخرج للجميع في إطار من الحق المتبادل.

على اعتبار أن الحق قد لا يحضر بمجموعه دفعة واحدة وبصفقة كاملة، ولكنه يتشكل وينمو ويتكون بفعل التدافعات والتجاذبات والموازنات والتمحيص، وفي إطار من المنهج التجريبي.

فسلوك من يقال عنهم إنهم متشددون يدل على حالة من الإصرار على التمسك، ولو بسوء تقدير، بجذر الشجرة دون النظر إلى حركة نمو سيقانها، وكذا اتجاهات الفروع والأوراق.

وسلوك المبشرين الجدد يمكن النظر إليها كمحاولات للبحث عن مسارات لسيقان الشجرة واتجاهات فروعها وأوراقها بتقديرات هشة، لا تستلهم مفهوم التجذير، وهي في الأخير محاولات لطرق الأبواب بضرورة الاجتهاد واستيعاب الجديد.

والسلوك الإلحادي المارق هو نذير للتفكير بموضوع حرية العقيدة وضرورة النظر ببسالة واجتهاد إلى إيجاد تفسير موضوعي للمبدأ القرآني "لا إكراه في الدين".

وسلوك أشياع "شيرين" تحتم علينا ضرورة الالتفات لطبيعة وشكل العلاقة بأتباع الأديان والشراكة معهم لنصرة الإنسان والبحث عن العدالة، ومن غير المعقول رفض التعاطف وطلب الرحمة لـ"شيرين" التي تنصر القضية، لكونها تحمل مسمى المسيح، مع الترحم والاستغفار لـ"قاسم سليماني" الذي يذبح القضية من الوريد للوريد لكونه يحمل مسمى مسلم.

وسلوك البكائين المحبوسين في سجن سوء التدبير والانحباس الفكري والثقافي تفرض علينا ضرورة إعادة بناء الأفراد وصناعة القادة من جديد وفق أسس صحيحة، وأن نتجاوز مفاهيم التربية التقليدية إلى مفاهيم البناء الاستراتيجي، فالتربية الروحية بدون بناء استراتيجي يخلق فينا هذه الأشكال المتوجسة والمستوحشة من كل شيء.

حان الوقت إلى مغادرة مساحة الفوضى والعواطف الساذجة، والحياد السلبي، ومن ثم التفكير المليء بضرورة الإصلاحات والعودة إلى الرشد، ومن ثم فتح أبواب الحكمة وطرق أبواب الرأي والاجتهاد، وصولا إلى فك كل هذه الاختناقات، وفق منهج رشيد ومسار راشد.