آخر الاخبار

الرئيسيةكتابات جمال أنعمتهامة والتاريخ المنسي

جمال أنعم
جمال أنعم
عدد المشاهدات : 407   
تهامة والتاريخ المنسي

لم نرزق للأسف بباحثين ومؤرخين كبار يشتغلون على تاريخنا ومدننا ويتتبعون التحولات المجتمعية الثقافية والاقتصادية والسياسية للدول وللمدن الرئيسة على وجه خاص كما اشتغل مثلاً "نقولا زياده" على سوريا في عصر المماليك ثم سائر اشتغالاته الرائعة، ومن ذلك ما كتبه عن تاريخ بعض الحواضر العربية المعاصرة.

وكما اشتغل المؤرخ الكبير الدكتور عبدالعزيز الدوري، على تاريخ العراق الاقتصادي في دراسته الضخمة التي يعرض فيها التحولات الاقتصادية في العراق منذ القرن الرابع للهجرة ويتحدث عن الفئات والطبقات وعن العيارين والشطار والحرف والصيارفة والتجار والفرق والحركات.

اهتم المؤرخ اليمني القديم بالتراجم والحوليات والوقائع والأحداث الكبيرة، وأخبار الممالك وسير الملوك وقدموا شهادات وصفية ومعلومات كثيرة متنوعة مبعثرة هي مشاريع مفتوحة للبحث والدراسات المتخصصة.

وتهامة المكان والإنسان، تاريخ منسي ومطمور تحت رمال النسيان، ظلت رافعة الدول ومنفذ اليمن باتجاه العالم وعاشت طويلا ساحة أطماع وصراعات بين الدويلات والأمراء والقادة والجند على امتداد العصور وجرت عليها الكثير من الأحداث الكبرى في تاريخ اليمن القديم والمعاصر.

الإرث العلمي والثقافي والأدبي في تهامة، لم يكن صنيعة الدويلات في رأيي، بل كان هبة الروح التهامية العظيمة، وبعض تجليات الحضور التهامي الممتد ومركزية الدور والفعل والتأثير والثقل.

لم تكن الحركة العلمية منفصلة عن الزخم المجتمعي العام، وما عرفت به تهامة من روح التمرد والطموح والبحث والجسارة والنزوع نحو الحرية والحياة الكريمة وعدم الرضوخ لاشتراطات القهر، ومقاومة الطغيان.

لا أجد هذا الاندفاع العلمي وهذه الخصوبة المعرفية والحيوية الثقافية، بعيدة عن روح الرفض والنزوعات الحرة، لدى المجتمع التهامي بعشائره الباسلة من "عك" و"الأشاعر"، وامتداداتهم "المعازبة" وصولاً إلى الزرانيق وتاريخهم الباسل، ناهيك عن القرشية القبيلة العريقة المحاربة.

لقد تم ربط الحركة العلمية ببعض الدويلات الحاكمة الراعية للعلم والعلماء، وبما يبدي العلم في تهامة هبة تلك الدويلات وحكامها وهو أمر صار كما لو أنه من المسلمات التاريخية بحيث بقيت تهامة على هامش السلطة على مر الأزمان وكأن إسهاماتها انحصرت في أداء دور المحكوم والحاضر بفعل الغير من القوى المغيرة والمتغلبة.

في ثورات "المعازبة" ضد الدويلات بدءً من الدولة الزيادية والأيوبية والرسولية والصليحية وصولا إلى الطاهريين، ألا يبدو البعد الاقتصادي أساسيا في هذه المقاومة؟

لقد جاء ذكر "المعازبة" لأول مرة لدى عماد الدين إدريس سنة 700هـ، بمناسبة تعيينه على رأس حملة ضدهم لرد فسادهم كما جاء في كتاب "كنز الأخبار" دراسة وتحقيق عبدالمحسن مدعج، "الكويت"، وجاء ذكرهم لأول مرة لدى الخزرجي، في العقود اللؤلؤية، ثم في الكتاب المجهول عن تاريخ الدولة الرسولية.

كانت أراضي المعازبة كما هي أراضي الزرانيق زراعية خصبة وكانوا على قدر من الكفاية وراكموا ثروات وخيولاً وماشية وبالتالي كانوا محسودين، وكان الحكام والسلاطين والولاة يتعمدون إرهاقهم بالارتفاعات والجبايات ويكلفونهم الكثير.

وكانت تلك السياسة من ضمن التوجهات الحاكمة في السيطرة والإخضاع لتهامة عموماً، حيث مثل إبقاء الناس في حالة فقر وفاقة سياسة ممنهجة تستبطن الخشية من النزوعات المتمردة والثورات.

وتهدف لإخماد روح الرفض والعصيان، ممكن هنا أن نقف إزاء تلك الإشارات التي ترد في مصادرنا التاريخية عن علي بن مهدي الرعيني، صاحب العنبرة، والذي راكم أموالا نتيجة إعفائه وأهله من الارتفاعات المقررة، كونه كان معلما وواعظا وهو ما مكنه من تكوين قوة في مواجهة آخر الولاة من بني نجاح حتى دخوله زبيد عام 554.

وفي هذا الاتجاه اتخذ الأيوبيون وبنو رسول بعدهم والطاهريون، سياسة الاجتثاث لمصادر البقاء كتدمير المزروعات وقطع أشجار النخيل والمصادرات حد منع الأهالي من ركوب الخيول وتفكير أحد الولاة الأيوبيين بتأميم كل أراضي تهامة لصالح الدولة وهو ما آثار سخط الأهالي وقادهم إلى الوقوف ضد تلك التوجهات.