آخر الاخبار

الرئيسيةكتابات عبده سالمالولاية..

عبده سالم
عبده سالم
عدد المشاهدات : 368   
الولاية..

عندما نتحدث عن الولاية، من المهم أن نبتعد قليلا عن جدلية الوصية والسقيفة، وعلي، ومعاوية، والهاشمية، والعباهلة.

خلاصة ما يمكن قوله في هذا الموضوع بأن الولاية هي الحاكمية، أو السلطة، أو الدولة، والدولة هي في الأصل دولة الإنسان عموما، وليست دولة الدين، وعندما نقول دولة الإنسان فهي دولة الإنسان بمختلف أديانه، بالنظر إلى المرحلة التي عاشها ويعيشها الإنسان في ظل الدين الذي يحمله.

المعلوم بأن الرسول صلى الله عليه وسلم، بعث ودولة الإنسان قائمة، وعليها حكام وأباطرة وملوك، وكل ما فعله صلوات الله عليه، هو أنه دعاهم إلى الإسلام، ووجه إليهم الرسائل بصفتهم السيادية، مستهلا رسائله بعبارات واضحة وهي: إلى ملك الفرس.. إلى عظيم الروم.. إلى المقوقس عظيم القبط... وكلها عبارات تحمل صيغة الاعتراف بدولهم وأنظمتهم وسيادتهم.

وكانت تلك الرسائل تحثهم فقط على الدخول في الإسلام بهدف تهذيب طغيانهم، ومن ثم الحفاظ على حكمهم من الزوال من خلال تبنيهم مبادئ الدين الجديد الداعية للعدالة والحرية والمساواة ورفع الظلم عن المستضعفين في الأرض، على أن تبقى تلك الأنظمة الحاكمة قائمة بصيغتها المعروفة، إذ لم ترشدهم تلك الرسائل إلى شكل الحكم، ولا إلى الفئة التي تحكم، ولا الفئات الخادمة من المحكومين.

وهذا شأن الرسالات كلها التي كانت تهدف إلى تهذيب طغيان الملوك، وليس إلى إنشاء الممالك وتحديد نخبها الحاكمة، وعادة ما كان يوصف الدين الذي يدخل فيه الملك بدين الملك، ولا يوصف الملك بأنه ملك الدين، لما لهذا الوصف من تكريس لمفهوم الدولة الدينية الثيوقراطية التي يرفضها الإسلام.

في حين أن دين الملك يعني دين الدولة ودين الأمة وهويتها الجامعة في إطار مفهوم دولة الإنسان الضامنة للحقوق والحريات الإنسانية التي أكرم الله بها الإنسان لإنسانيته وليس لدينه.

وفي ضوء هذا المفهوم، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم، لم يبعث من أجل أن يؤسس نظاما سياسيا ويحدد الفئة الحاكمة فيه، لأنه صلوات الله عليه، مبلغ رسالة وحامل وحي السماء، وباني أمة رشيدة، وهي الأمة المعول عليها إنتاج الدولة وفق المبادئ العدلية التي جاءت بها الرسالة، وفي إطار عقد اجتماعي متفق عليه بين الأمة ومن يحكمها.

صحيح بأن المصطفى صلوات الله عليه، أرسى دعائم ومبادئ الحاكمية، وأرشدنا على الصعيد التطبيقي إلى جميع مقاصد الحكم، ولكنه فعل ذلك بصفته نبيا مرسلا وبهدف تعليمنا كيف نسوس أمرنا باعتباره النبي المعلم.

فهو كما علمنا العبادات عمليا، وقال "خذوا عني مناسككم"، "وصلوا كما رأيتموني أصلي"، علمنا أيضا كيف ندير شئوننا ونعقد تحالفاتنا، وندير شئوننا السياسية والعدلية، وهو ما يعني بأن حضوره صلوات الله عليه، في هذه التطبيقات السياسية، هو حضور المعلم الذي علمنا أصول الحكم وأوصانا بأن نؤمر على أنفسنا من نقتنع به، وأمرنا بطاعته وترك لنا الأمر في ذلك كله في إطار قوله تعالى "وأمرهم شورى بينهم".

نعم، لقد حدث من التعارف والتوافق التاريخي إلى حد الإجماع بأن عصر النبي صلى الله عليه وسلم، هو عصر نبوة خالصة محكوم بوحي السماء، ولم يقل أحد بأنه عصر دولة ونظم سياسية ونخب حاكمة بصرف النظر عن التطبيقات السياسية والإدارية التي قام بها الرسول صلى الله عليه وسلم، بالتشاور مع صحابته.

ومن ذلك إنشاء كيان سيادي وإداري يمثل الدولة أو ما يشبه الدولة، وذلك بهدف حماية الدعوة والمجتمع الإسلامي الوليد، ولم يكن ذلك الكيان في حينها يسمى دولة لأن مصطلح الدولة كان متأخرا، وأيضا لم يسمى ملكا كون الرسول صلى الله عليه وسلم، قد رفض أن يكون ملكا، لتنافي ذلك مع نبوته، وبالتالي أطلق على هذا الكيان السيادي مصطلح "الأمر"، وهو المصطلح القرآني.

وإذا كانت الرسالة التي بعث بها الرسول صلى الله عليه وسلم، غير قابله للتوريث كونه صلوات الله عليه، خاتم الرسل والأنبياء، فإن هذا المركز السيادي المسمى "بالأمر" هو الآخر غير قابل للتوريث، لأنه لم يتبلور بعد على شكل نظام سياسي يمكن انتقاله بالتوريث.

فضلا عن أن الإعلان عن حالة هذا الكيان السيادي كمعبر عن الدولة، لم تطرح في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، بالنظر إلى أن الجهد كله كان منصبا في إبلاغ الرسالة، وبناء الأمة، والدفاع عنها.

والأهم من ذلك كله أن مركزية هذا "الأمر"، قد حسم بنص القرآن الكريم "وأمرهم شورى بينهم"، وبالتالي أصبح هذا المركز حق للأمة كلها، ولا يقبل الوصية والتوريث بأي حال من الأحوال.