|
خلال سنوات مضت، تهتّك الحاجز الفاصل بين الصحافة وبين كل ما لا يشبهها، واختلط الحابل بالنابل، وحلّت الفوضى، وبات لهذه الفوضى تداعيات وتأثيرات مجتمعية وأمنية وسياسية.
أشخاص نصبوا أنفسهم صحفيين لا يعرفون أنواع وفنون التحرير الصحفي، ولم يكتبوا مادة صحفية من قبل، فذهبت بهم كتاباتهم كل مذهب، ويحسبون ما يسطرونه للمتابعين على أنه صحافة، وهي لا تعدو كونها شطحات وتحريفًا لمسار العمل الإعلامي والصحفي في خدمة المجتمع.
تصدّر المشهد عبر منصات التواصل الاجتماعي كثيرون، لا يفرقون بين المادة الصحفية ومقالات الرأي والإشاعة، فيكتبون كلما يحلو لهم دون حتى معرفة بمبادئ الصحافة وقيمها وأخلاقها. يطلقون التهم على عواهنها، ويرددون الشائعات دون التأكد من صحتها أو مصدرها، وليس لديهم أدنى معرفة بمحاذير النشر.
وبالتأكيد، فإن ذلك لا يعني الحجر على الناشطين وأصحاب الرأي في وسائل التواصل، بقدر ما أن الواجب يقتضي التفريق بين الرأي ونشر ما لا يليق، حتى وصل الأمر إلى انتهاك الخصوصيات والأعراض، والخوض في قضايا لا يمكن التطرق إليها إلا بأدلة قاطعة.
لقد بات الخوض في مواضيع الصحافة والإعلام وأخلاق المهنة مكرورًا، لكنه أيضًا ليس ترفًا، بل أمرًا حيويًا وحقيقيًا لإزالة اللبس حول مهنة الصحافة والإعلام، لأن هناك أمورًا مؤسفة نشاهدها ونعايشها. فمهنة الصحافة لم تعد تمارس على حقيقتها، وما يؤسف أكثر أنها أصبحت واجهة لعمليات ابتزاز كبيرة، بدلًا من أن تكون حقًا أساسيًا وشريان الحياة الذي يغذي المجتمعات الصحية والحيوية. فمن دون الصحافة وحرية الرأي والتعبير لا يمكن التصدّي للظلم ولا إحداث التغيير ولا التخلص من الظواهر السلبية.
في كل مدينة لن تجد سوى صحفيين بعدد أصابع اليد، وأحيانًا اليدين إن أحسنا الظن، ينتجون التقارير والاستطلاعات والحوارات. مقابل ذلك، يحتشد مجاميع ممن خلطوا بين الصحافة ومهن أخرى يحسبونها صحافة، وهناك أيضًا عدد لا بأس به من كُتّاب المقالات الصحفية.
أما بالنسبة للصحفيين والكتاب الحقيقيين الذين يمارسون الصحافة، فإنها تمثل مصدر رزقهم وتعود عليهم بدخل مادي جيد غالبًا، لكن البعض رأى أن الجهد الذي يبذله في إنتاج المادة الصحفية المحترمة مقابل هذا العائد يمكن استبداله بممارسة الابتزاز على هذه الجهة أو تلك للحصول على أموال. وحينها تصبح مهنة الصحافة عبئًا هم في غنى عنه، والكارثة أنهم صوّروا العمل الصحفي والإعلامي على أن الهدف الوحيد منه هو الحصول على العائد المادي، وهي ظاهرة شوهت العمل الصحفي والإعلامي.
وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت مكانًا مناسبًا لكل من يريد الشهرة أو تحقيق أهداف خاصة أو ممارسة الابتزاز؛ يبث إشاعات دون قرائن أو أدلة، ويتلقى أخرى ويحورها لتنسجم مع أغراضه، وكل ذلك باسم الصحافة وتحت عنوان حرية التعبير التي لا علاقة لهما بما يحدث.
الأمر الآخر الذي يعيب المشهد الصحفي والإعلامي اليوم هو تحول هذا القطاع الحيوي إلى قبيلة محصنة، لها الحق في أن تقول ما تريد دون ضوابط، وهو أمر لا يتسق مع هذه المهنة. فحتى أعضاء مجلس النواب الذين يمتلكون حصانة نيابية لا يحصلون على هذا الحق. بدليل أنه لو تحدث عضو مجلس نواب في أي شأن عام وزلّ به لسان أو خانه التعبير، فإن الأقلام لا ترحمه والألسن لن تتركه حتى ينال من النقد وأحيانًا الشتائم ما نراه ونشاهده. أما في صحافة وإعلام اليوم فهناك من يريد أن يقول ما يريد ولا يجب أن يعترض عليه أحد.
وفي كل الأحوال، فإن هذا المشهد غير السوي لا يدفعنا إلى إنكار حق الناس في أن يعبّروا عن آرائهم، لا سيما ذلك الرأي السليم المكتمل والواضح في أي قضية من القضايا، فذلك ليس في صالح أي طرف ولا في صالح الوطن عمومًا. لكن يجب على العاملين في هذا المجال الحرص على التوازن، وتقديم الرأي المتزن الذي يحظى بالاحترام والتقدير مهما كان مختلفًا.
على أن التضامن مع زملاء المهنة الذين يتعرضون لانتهاكات من السلطات الأمنية هو واجب مهني وأخلاقي وإنساني، لكنه لا يعني منح الصحفي شيكًا على بياض حتى وهو ينتهك قيم الصحافة ومعاييرها وأخلاقها، فتلك مسؤولية مجتمعية، وهي اليوم مسؤولية وطنية في ظل الظروف الحالية.
إن نقد المشهد الصحفي والإعلامي القائم اليوم لا يعني إهدار حق الصحفي ولا التغاضي عن الانتهاكات التي قد يتعرض لها، بل يجب الوقوف معه ما دام صحفيًا يخدم الحقيقة ويقدم صورة ناصعة للصحافة الحرة، ويراعي في حالتنا الراهنة مصلحة المعركة الوطنية وتعزيز الجبهة الداخلية، وعلاقات القوى الوطنية المشتركة في هذه المعركة، وكل الشركاء المساندين في معركة استعادة الوطن، الذي بدونه فلن تكون هناك صحافة ولا حرية.
في الأربعاء 20 أغسطس-آب 2025 07:09:24 ص
