عدن تنبض وعيا.. عدن أولا
الدكتور أنيس آل يعقوب
الدكتور أنيس آل يعقوب

تشكل الشخصية السياسية العدنية مزيجا فريدا من عبقرية المكان وعراقة الزمان، متأثرة بموقعها الجغرافي الرابط بين الشرق والغرب الأمر الذي جعلها ملتقى الحضارات وبوتقة الثقافات، مما منح العدنيين سعة أفق وقدرة عالية على التكيف والمرونة السياسية هذه المرونة التي تعتبر أهمية ميزات الشخصية السياسية العدنية.

حيث إنها تمكن العدنيين على استيعاب الصدمات والمتغيرات السياسية وإعادة بناء مسار الدولة بوعي سياسي خلَّاق، ففي مرحلة أصبح الحديث في السياسة ضرورة لا ترفا، غدا الجهل السياسي عبئا قاتلا، وما كان يُنظر إليه يوما في الماضي القريب كحكر على فئة معينة، أصبح الآن واقعا يعيشه أبناء عدن.

لقد تمتع أبناء عدن بقدرة فائقة على التمييز بين الوعي السياسي الحقيقي وبين الانجراف خلف الشعارات والخطابات المستهلكة، فلم يتشكل هذا الوعي السياسي فجأة في عدن منذ يناير 2026م، بل هو عملية تراكمية وامتداد حركة تنويرية نهضوية أرسى أسسها الأستاذ الكبير محمد علي لقمان.

فقبل قرن من الزمان تقريبا كان رائد التنوير والنهضة الأستاذ محمد علي لقمان، يضع أسس نهضة عدنية يمنية عربية أثرت في محيطها سواء في المحميات أو في شمال الوطن، ولا نبالغ إن قلنا إن تأثير النهضة العدنية قد تعدى اليمن إلى خارجها وأصبح تأثيرها حتى على مستوى الجزيرة العربية.

ولم يكن هذا التحول الثقافي والسياسي الذي بدأت عدن تسير فيه منذ مائة عام، من فعل الاحتلال البريطاني - كما يظن البعض - كما لم يكن من فعل النظام الإمامي في الشمال، بل كان النظام الإمامي طوال تاريخه يشكل مصدر قلق دائم لعدن؛ الأمر الذي أدى إلى تكاتف جميع المتضررين من هذا النظام الكهنوتي للحفاظ على عدن قوية، قادرة على مواجهة نظام الإمامة.

لقد كان الفضل في النهضة العدنية للعدنيين فقط؛ فبعد زيارة المفكر التونسي عبدالعزيز الثعالبي، الذي وصل إلى عدن في أكتوبر 1924م، والتقى بالعديد من مثقفيها وتناقش معهم حول ضرورة النهضة بعدن، واتفقوا على فكرة إقامة أندية ثقافية، التقط الشباب المستنير من أبناء عدن هذه النصيحة، وبادروا بتنفيذها، وتم افتتاح نادي الأدب العربي، وذلك في 5 فبراير 1927م، ونادي الإصلاح العربي الإسلامي بعدن، ثم مخّيم أبي الطيب في 16 مارس 1939م برئاسة الأستاذ محمد علي لقمان.

ثم توالت النقابات العمالية في الأربعينيات ثم في بداية الخمسينات نشأت الأحزاب السياسية، هذه كلها أثرت في الشخصية العدنية، هكذا تشكلت حالة الوعي في الشخصية العدنية، وأسهمت في جعل سكان هذه المدينة أكثر قبولًا من غيرهم من أبناء اليمن لأي أفكار سياسية واقتصادية واجتماعية جديدة، وأصبح لديهم القدرة على التشكل والتوائم مع كل ما هو جديد.

لهذا، فإن الوعي السياسي اليوم هو الحد الفاصل بين الاستقلالية والتبعية، إنه شرط الكرامة، وأول أسس النجاة في زمنٍ تتداخل فيه المصالح بالمصائر، لقد أدرك العديد من أبناء عدن أهمية الانتقال بالوعي السياسي الشعبي من مجرد الشعور العفوي بالواقع إلى مرحلة الإدراك التحليلي والفعل المؤثر، فشكلوا العديد من المكونات السياسية والاجتماعية، حيث عملوا على تحويل المعرفة والوعي إلى ممارسات تنظيمية ومشاركة مجتمعية حقيقية تتجاوز التذمر الفردي نحو بناء قوة وطنية ومجتمعية فاعلة.

ولا يمكن تحقيق ذلك إلا بالتغلب على الاقصاء والتهميش والعمل المشترك لمواجهة الجهل عبر نشر المعرفة والشفافية الإعلامية، وبتجاوز الاستقطاب السياسي برفع شعار عدن أولا، وبتمكين الأجيال الشابة.


في السبت 15 أغسطس-آب 2026 08:15:26 ص

تجد هذا المقال في سهيل نت
https://suhail.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://suhail.net/articles.php?id=1755